هل تدفع الضغوط الإنتخابية ترامب ونتنياهو إلى مواجهة جديدة مع إيران؟!
كندي الزهيري ||

تطرح التطورات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط (الشرق الإسلامي الكبير)، سؤالاً استراتيجياً يتجاوز نتائج الإنتخابات الأمريكية والإسرائيلية وهو: هل يمكن أن تتحول الخسارة الإنتخابية أو تراجع النفوذ السياسي إلى دافع لتصعيد عسكري جديد ضد إيران، بهدف إعادة ترتيب المشهد الداخلي والخارجي واستعادة المبادرة؟. إن الإجابة لا تتوقف على حسابات (ترامب ونتنياهو) وحدهما، بل ترتبط بطبيعة المواجهة القائمة، واستعداد إيران الإسلامية، وقدرة الأطراف على التحكم في تداعيات أي قرار عسكري.
ينبغي أولاً التمييز بين الخسارة الإنتخابية بوصفها احتمالاً سياسياً، وبين اعتبارها نتيجة محسومة؛ فالانتخابات النصفية الأمريكية والانتخابات الإسرائيلية المقبلة تمثلان محطتين مهمتين في تحديد مستقبل الشخصين. وإذا تراجعت مكانة ترامب داخل الكونغرس وهذا محتمل جداً، أو واجه نتنياهو صعوبة في الحفاظ على موقعه السياسي، فقد يجد كلاهما نفسه أمام ضغوط داخلية تدفعه إلى إعادة تقييم خياراته.
وفي مثل هذه الظروف، قد يصبح الملف الإيراني أداة لاستعادة المبادرة، أو لتقديم صورة القيادة القادرة على حماية الأمن القومي وتحقيق إنجاز خارجي. لكن هذه المعادلة لا تعني أن الحرب هي الخيار الحتمي؛ إذ قد تدفع الكلفة الإقتصادية والعسكرية، والخشية من رد إيراني واسع، إلى البحث عن تسوية تحفظ المصالح وتحد من الخسائر السياسية، وهذا غير واضح المعالم حتى الآن . تكمن الخطورة في إحتمال تزامن الضغوط الداخلية ، مع الإعتقاد بأن الوقت المتاح لفرض شروط جديدة على طهران، آخذ في النفاد.
فقد يرى نتنياهو أن توسيع المواجهة يخدم خطابه الأمني، بينما قد يحاول ترامب الموازنة بين إظهار الحزم وتجنب حرب طويلة تستنزف الإقتصاد الأمريكي، وتزيد الأعباء على إدارته.
وإذا تقاطعت الحسابات، فقد تنشأ نافذة خطرة لسوء التقدير، تبدأ بضربة محدودة ثم تتسع بفعل الردود المتبادلة، لتتحول من عملية عسكرية محسوبة إلى مواجهة إقليمية يصعب تحديد نهايتها، وخصوصاً وأن باب المندب لم يعد بيد أمريكا ولا بيد حلفائها.
في المقابل، لا تبدو إيران مجرد طرف ينتظر قرارات خصومه؛ إذ تقوم حساباتها المحتملة على رفع كلفة أي هجوم، وتوسيع خيارات الردع، والاستفادة من الجغرافيا والممرات البحرية والمصالح الإقتصادية المتشائكة بشكل أكثر .
وتشمل أوراقها القدرات الصاروخية، والضغط على المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، واستخدام مضيق هرمز ورقة تفاوضية ذات تأثير مباشر في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ومن التطورات التي تستحق المتابعة اليوم دخول كابلات الإنترنت البحرية في دائرة التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز. فهذه الكابلات تمثل جزءاً أساسياً من البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الإتصالات الدولية والخدمات المالية والسحابية والتجارة الإلكترونية.
وإذا تعرضت كابلات رئيسية للتعطيل، فقد تتأثر خدمات الإتصالات وتزداد تكاليف التشغيل والتأمين، وفقاً لحجم الضرر وتوافر المسارات البديلة.
وتكمن الدلالة الإستراتيجية في أن الصراع لم يعد محصوراً في الصواريخ والمنشآت العسكرية، بل بات يمس البنية التحتية التي يقوم عليها الإقتصاد الرقمي العالمي. وأمام هذه المعطيات الراهنة ، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية: تصعيد عسكري جديد يستهدف منشآت إيرانية ويتبعه رد إقليمي؛
أو حرب استنزاف طويلة تستخدم فيها الملاحة والطاقة والإتصالات أوراقاً للضغط المتبادل؛ أو تسوية مرحلية تفرضها الكلفة المتزايدة للمواجهة. ولا يمكن الجزم بأي مسار قبل اتضاح نتائج الإنتخابات والقرارات العسكرية والدبلوماسية التي ستليها.
أما العراق، فيقف أمام مخاطر مباشرة وغير مباشرة، تشمل تقلب الإيرادات النفطية، واضطراب طرق التصدير والشحن، واحتمال تحول أراضيه وأجوائه إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، فضلاً عن مخاطر تعطل الاتصالات الإقليمية. وهذا يفرض تعزيز خطط استمرارية الخدمات الحيوية، وتنويع مسارات الإتصالات، وحماية المصالح الإقتصادية.
إن أخطر ما قد ينتج عن تراجع ترامب ونتنياهو سياسياً ليس بالضرورة اندفاعهما إلى الحرب، بل إحتمال أن يعتقد أحدهما أن التصعيد هو الطريق الأقصر لاستعادة المبادرة. وفي المقابل، قد تراهن إيران على أن رفع كلفة المواجهة سيمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل. وبين الرهانين، تبقى المنطقة أمام معادلة دقيقة: إما أن تدفع المخاطر الأطراف إلى تسوية تحفظ مصالحها، وإما أن يتحول التصعيد إلى مقامرة إستراتيجية تبدأ بقرار سياسي، ثم تتجاوز قدرة أصحابه على التحكم في نهايتها.




