الجمعة - 23 اكتوبر 2026

أحمد الصبيحاوي.. من بيجي العصية إلى الشهادة..!

منذ 13 دقيقة
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

انتصار الماهود ||

 

 

 

بيجي العصية، هكذا أطلق الدواعش تسميتهم على مدينة بيجي التي استعصت عليهم، رغم كل محاولاتهم الشرسة لاقتحامها على مدى قرابة عام.
كانت جهودهم وهجماتهم العنيفة تبوء بالفشل، فيما ظل المدافعون عنها صامدين في واحدة من أصعب المواجهات التي شهدتها الحرب ضد تنظيم داعش.

شهور من المواجهات الصعبة، ومصفاة بيجي التي اختصرت معركة للدفاع عن العقيدة والوطن، ولم تكن مجرد معركة لحماية شريان النفط العراقي قاتل أبطال جهاز مكافحة الإرهاب ومقاتلو عصائب أهل الحق جنبا إلى جنب، وصدوا هجمات داعش، وجسدوا واحدة من أكثر صفحات الحرب على التنظيم تعقيداً وتضحية. كان الصمود ضروريا لحماية بيجي، وأي خطأ في تلك المعركة كان من الممكن أن يكلف المقاتلين حياتهم.

عاش المقاتلون هناك أياماً ثقيلة تحت ضغط الهجمات والحصار ونيران القناصة والمفخخات والحرب النفسية، لكنهم بقوا صامدين، متمسكين بمواقعهم رغم شراسة المعارك وصعوبة الظروف الميدانية. وقدمت عصائب أهل الحق أكثر من 290 شهيدا ومئات الجرحى، بحسب الإحصائيات شبه الرسمية التي وصلت إلينا، لتفجع أكثر من 290 أسرة بفقدان أبنائها في معارك بيجي، وكان من بينهم شهيدنا أحمد وكانت تلك التضحيات ثمنا غاليا دفعته العوائل العراقية فداء للوطن، إذ قدمت أبناءها في سبيل الدفاع عن الأرض والكرامة، مؤمنة بأن حماية العراق مسؤولية لا تجسدها كلمات فقط ، بل تتجسد في المواقف والتضحيات الأفعال الحقيقية . ومن بين تلك العوائل التي قدمت فلذات أكبادها، تبرز حكاية الشهيد (أحمد).

ولد الشهيد السعيد أحمد قاسم گاطع الصبيحاوي في العاصمة بغداد، في الخامس عشر من كانون الثاني عام 1995. نشأ في عائلة كبيرة، تولى الأب والأعمام فيها مسؤولية تربية الأبناء وغرس القيم الأصيلة والأخلاق الحسينية في نفوسهم. وكان معظم أعمامه من المناهضين للسلطة والرافضين لحكم صدام اللعين، الأمر الذي جعل أبناء هذه العائلة عرضة لملاحقة أزلام البعث ومضايقاتهم، سواء في أماكن العمل أم المدارس.
أكمل أحمد دراسته الابتدائية والتحق بالمرحلة المتوسطة، لكنه لم يستمر فيها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، فدخل سوق العمل مبكراً وعمل في عدة مهن حرة. كان الابن الأكبر، وكانت إعانة أسرته أولويته التي تشغل تفكيره، إذ سعى إلى توفير العيش الكريم ومساعدة والده وتحمل المسؤولية منذ سنوات شبابه الأولى.

بعد استباحة داعش أرض العراق عام 2014، انضم أحمد إلى صفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، ضمن اللواء 41، وشارك في معارك على محاور عدة، منها أبو غريب والطارمية وجرف النصر، وصولا إلى محطته الأخيرة في بيجي.

ورغم صغر سنه، كان أحمد رجلا يعتد به، اتصف بالشجاعة والإقدام، وخاض المعارك دفاعاً عن أرضه وعرضه في مواجهة التنظيمات الإرهابية. سطّر في المعارك التي شارك فيها صفحات من البطولة، ومضى مؤمنا بقضيته، مستعدا لتقديم الغالي والنفيس في سبيل حماية وطنه وأبناء شعبه.

كانت معركة بيجي آخر محطاته الجهادية تلك الأرض الصعبة التي اختبرت صبر الرجال على مدى شهور طويلة، ووضعتهم أمام امتحان قاس، بين الصمود والانكسار، وبين الثبات والتراجع. لكن المقاتلين واصلوا المواجهة، ورغم العدد الكبير من الشهداء والجرحى الذين قدموا أرواحهم ودماءهم، بقيت بيجي عصية على الدواعش، ولم يتمكنوا من كسر إرادة رجالها.

في الحادي والعشرين من حزيران عام 2015، كانت آخر محطات أحمد الجهادية على أرض بيجي، حيث نال شرف الشهادة. انتهت أخر صفحات حياته في الدنيا لكنه ختمها بتشريف عظيم ومقام رفيع، هو مقام الشهادة.
والقصة لم تنته هنا ففصول حياته ومجده وشجاعته وسيرته بقيت حاضرة في ذاكرة من عرفوه، وفي تاريخ العراق الذي حفظ تضحيات أبنائه المدافعين عن أرضه وكرامته.

سلام على أحمد، يوم ولد ويوم حمل هم الوطن فتىً يافعاً، ويوم ارتقى شهيداً على أرض بيجي، تاركا خلفه سيرة عز وفخر.
سلام على روحه الطاهرة، وعلى كل شهيد جعل من دمه عهدا بأن تبقى أرض العراق عصية على الإرهاب.