بين الانين وفقدان الحنين …كلمات الوجدان تحرق الأبدان..!
الدكتور سعد محمود المسعودي ||

عجزت يدي عن البوح…
سردية جديدة أُضيفت لمشوار العمر بعد ضياعه…
تلاشى كل ما حلمت به، وسط عتمةٍ تساقطت عنها جميع بوارق الأمل.
وضعتُ يدي على قلبي ساعةً، فشعرتُ بأني مفارقٌ تلك البارقةَ التي من أجلها امتلكتُ الاندفاعَ، والطموحَ، وبدءَ حياةٍ جديدة. وضعتُ يدي على قلبي، فشعرتُ بأن نبضَه يتسارع لهفوةٍ من هفوات أملي المفقود. وضعتُ يدي على قلبي لأرفعَ جزءاً من ألمِ الحياة التي أحاطت بي من كل جانب…
أيها النوم أين أنت؟ ألم تكن يوماً ما أُنْسي وملاذي؟
تخلصتُ من ملاذي في لحظةٍ من السكون، واكتفيت بالعجز حتى عن ملاقاته. أين أحتمي أيها النوم؟ أتفارقني بعد أن كنتَ لي بارّاً؟
كيف لي أن أكتب شطراً من حياتي شعرتُ به لأيام خلت؟
أكتبُ تلك القصةَ ولا أرى كلماتها.. هل فقدتُ تلك الحروف؟ أم تعجلتْ بالرحيل؟
أيتها الحروف، ألم تكوني يوماً أُنْسي أيضاً؟
أصبحتُ وحيداً بين جدارٍ عازلٍ للصوت، وحتى صوتي المبحوحُ بالفقد قد غادرني مسرعاً. أصبحتُ أسيراً لنومي المفقود، وكلماتي الهاربة، وصوتي المبحوح. وقد أضافت لي الحياة دائرةً جميلةً كنت قد فقدتها منذ عامين، وهي: ضياعُ حزني السرمدي بين أنين الصمت وغياب الكلمات…
كنتُ أكتبُ لحبيبتي وأرى في ابتسامتها وطني، وأشمُّ رائحةَ أمي، فتذوب عيوني بالدمعة الساكتة البريئة… لا تخرج دمعتي للعلن وأنا مقطّع القلب من الداخل… كلمتُ أمي يوماً بصوتها الرخامي الهادئ، وقد طُبعت ذكرياتُ ذلك الصوت في ذاكرتي…
وها أنا ذا… وحيداً يتيماً، فقد غادرني النوم والكلمات وصوتي المبحوح، وأُضيف إليها أن غادرتني احلامي… ولحقت بها أمي. تعلمتُ أن الوحدة لا تأتي إلا بعد أن تشعر أنك راحلٌ عنها، أو أن الكون بأسره قد اسودّ في عيونك. تعلمتُ أن الحياة من التوافه، والانقياد لرغباتها من الغباء، فقد أخذت مني أدواراً كثيرة، أحلاها أمرّ من المرّ ذاته.
تحمل في داخلك صوتاً إن خرج إلى العلن قد يهدم ما بنيتَه لسنين، ويمزق التاريخ الذي أسندتَ عليه أركان قلبك. شعرت بالفقد واليتم والضياع ونهاية العمر، وليس لي مذاقٌ بطعام أو شراب، حين ذهبت تلك المرأة العظيمة وأغفضت عيونها…
أيا سراب عيني، هل تستطيع أن تعيد صورتها الحية ولو لساعةٍ فقط؟ لأسمع صوتها الذي غزا روحي، وأنهى سلسلة أحلامي بعد انقطاع… أيها العمر مالك لا تسير بهدوء؟ هل تعلم أن المشيب قد غزا وجهي ورأسي، وأنا الطفل الذي ينظر إلى عيون أمه ليستمد منها القوة والشجاعة والعطاء؟ لم تقل لي إنها مفارقة، ولم تقل لي إني أتوجع، وكنت أسمع منها فقط: “يمة أنت الروح التي بين جنبي”.. هذه الكلمة أخذت روحي وعقلي وقلبي.
وفي نهاية المطاف، ضللتُ الطريق بين عودتي لنفسي، وعودة نفسي لمن يحبني من الأهل والأصدقاء والأحبة… يا أمي، وقد مضى لرحيلك ٢٨ يوماً ولم أرَ النور في عيوني، ولم أرَ سريرة حياتي إلا وهي تضمحل وتتلاشى كالسراب في نهار القيظ، والعطش يحوم في رأسي كطيرٍ ضاقت به السبل… كيف لي التوصيف وقد خلا عقلي من كل الكلمات؟
اشتقتُ أن أكتب لكِ يا أمي، وإلى إنسانةٍ قد شاركتني الوجع الأزلي منذ سنين، وأنا متأكد أن كلماتي هذه هي ما تشعر به الآن، فقد تساويتُ معها بالمصاب… كتبتها لها فقط لأني إنسانٌ يحترم حزن الآخرين ويشعر به قبل أن يكون… كتبتها وأنا قد فارقتها بصوت هادئ، وأعلم أني عاجز عن تحقيق حلم قد بنيناه في الخيال ونسجناه بألم الفقد، وقد كانت نهايته موجعة لكلانا، إلا أننا سنبقى شريكين بمصاب واحد ألا وهو: الحزن على من فقدنا… وصدق هذا الحزن هو متين الصداقة التي ستدوم بدوام الحال…
مع أمنياتي أن تكون بخير ، وأن يختار لكِ الرب العظيم اختياراً يهبه لكِ لصدق النية، وطيبة القلب، ودماثة الخلق العالي، والهدوء والسكينة والوقار… قد لا نجتمع يوماً ما، إلا أن التخاطر والكلمات هما من أصدق ما يستطيع الإنسان أن يصفهما كعلاج ومهدئ نفسي عظيم…
كتبتها وأنا إنسانٌ قد فارق جسدُه الروحَ ويمشي بلا روح، يحسب أيامه ولا يشعر بها بعد غياب من اختطفته المنية من بين يديه ….
هل ستكون ايامي قريبة ، وحتى ان لم تكن ، فقد قربت منها المنية ، والعمر الا ساعة .وصدق من كتب تلك الحروف …دقات قلب المرأ قائلة ..ان الحياة دقائق وثواني .. التمس القلوب النقية القريبة من قلبي المحب لكم جميعا …
لا تنسَوا أمي بالفاتحة والدعاء……




