الاختلاف والاضطراب العالمي قبيل الظهور الشريف..!
عمار الولائي/ واسط_كوت ||

إنّ الاضطراب العالمي، وما يصاحبه من صراعات وانقسامات سياسية وعسكرية واقتصادية، يُعدّ من الموضوعات التي تستحقّ التأمّل والبحث عند دراسة الروايات الشريفة المرتبطة بأحداث ما قبل الظهور المبارك للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). فالمتتبّع لهذه الروايات يجد أنّ مفاهيم الاختلاف والاضطراب والهرج والانقسام وردت في سياقات متعدّدة، تتناول جماعات وقوى ومناطق مختلفة، بما يرسم صورةً عن اضطراب شمولي عالمي ومخاضات عسيرة تسبق الظهور الشريف
وتتضمّن الروايات المهدوية إشارات متعدّدة إلى حالات من الاختلاف والانقسام والاقتتال، سواء داخل بعض القوى السياسية والعسكرية، أم بين الأمم والشعوب. ومن الموضوعات التي تَرِد في هذا السياق:
▪️ اختلاف أهل الشام فيما بينهم.
▪️ المعارك بين المروانيين و«وُلد العباس»، بحسب بعض تعبيرات الروايات المتداولة.
▪️ اختلاف الشيعة فيما بينهم.
▪️ اختلاف بني فلان.
▪️ اختلاف سيف بني فلان، وهو تعبير قد يُطرح بشأنه احتمال ارتباطه بانقسامات داخل بعض القوى العسكرية والسياسية المعاصرة، من دون الجزم بمصداق معيّن.
▪️ اختلاف الرمحين في الشام.
▪️ اختلاف بني العباس.
▪️ اختلاف الترك والروم.
▪️ الهرج الرومي وما قد يرتبط به من اضطراب وصراع.
▪️ الاختلاف في أرجاء البلاد العربية.
▪️ اضطراب الرايات الثلاث في الكوفة.
▪️ اختلاف العرب والعجم.
▪️ اختلاف صنفين من العجم، وهو تعبير يمكن أن يثير تساؤلات حول صراعات القوى غير العربية، لكن ربطه بدول معاصرة، كالكوريتين، يبقى فرضية تحتاج إلى دليل معتبر.
▪️ الاختلاف بين السند والهند وما يرتبط به من خراب وصراع.
▪️ الاختلاف بين الهند والصين وما قد يصاحبه من تداعيات مدمّرة.
إنّ تعدّد هذه الموضوعات يفتح المجال لدراسة طبيعة الاضطراب الذي تصفه الروايات، ومدى اتساع نطاقه، وما إذا كانت بعض إشاراته تتعلّق بصراعات داخلية، وأخرى بصراعات بين دول وقوى متنافسة.
ومع ذلك، فإنّ المنهج العلمي يقتضي التمييز بين نصّ الرواية وتفسيرها، وبين ما ثبت وقوعه تاريخياً وما يُطرح بوصفه احتمالاً أو قراءة معاصرة؛ إذ لا يصحّ الجزم بأنّ دولةً أو حدثاً بعينه هو المقصود برواية ما لم تتوافر قرائن معتبرة تسند ذلك.
وإذا انتقلنا من دراسة النصوص الروائية إلى قراءة الواقع الدولي، فإنّ المشهد العالمي الراهن يكشف عن مجموعة من التحوّلات التي تستحقّ المتابعة، ولا سيّما في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. وهذه المؤشرات لا تثبت بذاتها تحقّق العلامات المهدوية، لكنها تتيح قراءة طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها العالم.
1. تصاعد الإنفاق العسكري العالمي
إنّ وصول الإنفاق العسكري العالمي إلى مستويات قياسية، تُقدَّر بنحو 3.5 تريليون دولار في الطرح المتداول لعام 2026، يعكس اتّساع اهتمام الدول بتعزيز قدراتها الدفاعية والعسكرية، في ظلّ الحروب القائمة والتنافس الاستراتيجي وتراجع الشعور بالأمن لدى كثير من الحكومات.
فالإنفاق العسكري لا يمثّل مجرّد أرقام في الموازنات، بل يكشف عن أولويات الدول وتقديراتها للمخاطر المستقبلية، ويشير إلى أنّ الاستعداد للصراع بات يحتلّ موقعاً متقدّماً في حسابات القوى الكبرى.
2. الاحتجاجات الاجتماعية وتفاقم الأزمات المعيشية
تشهد دول مختلفة احتجاجات وموجات من السخط الشعبي نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم مشكلات السكن والعمل والخدمات. وعندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع ضعف الثقة بالحكومات، فإنّ ذلك قد يتحوّل إلى عامل اضطراب سياسي واجتماعي، ولا سيّما في الدول التي تعاني أصلاً من هشاشة مؤسساتها.
إنّ الأزمات المعيشية لا تؤدّي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة، لكنها قد تكشف عن عمق التصدّعات داخل المجتمعات، وعن اتّساع الفجوة بين السياسات الحكومية وتطلّعات الشعوب.
3. تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية
تواجه مؤسسات النظام الدولي، وفي مقدّمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، انتقادات متزايدة بسبب عجزها عن منع حروب وكوارث إنسانية، أو وقفها بفاعلية، فضلاً عن تعطّل قراراتها في ظلّ تضارب مصالح الدول الكبرى واستخدام حقّ النقض.
وقد أسهمت الأحداث الدامية في فلسطين، وما رافقها من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، في تعميق التساؤلات بشأن قدرة النظام الدولي على فرض المعايير القانونية بصورة متكافئة، ومحاسبة الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات.
إنّ خطورة هذا المسار لا تكمن في ضعف مؤسسة دولية بعينها فحسب، بل في احتمال تراجع الإيمان بجدوى القواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول، واتّساع مساحة الاحتكام إلى القوة والمصالح بدلاً من القانون.
4. تصاعد الديون السيادية واتّساع الهشاشة المالية
تشكّل الديون الحكومية المتزايدة أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تواجه ديناً اتحادياً تجاوز مستوى 40 تريليون دولار وفق الأرقام المتداولة في أكتوبر 2026، فيما تعاني دول نامية عديدة من أعباء خدمة الدين وارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع قدرتها على تمويل التنمية والخدمات الأساسية.
ولا يعني ارتفاع الدين العام، بمفرده، اقتراب انهيار الدولة؛ إذ تتفاوت المخاطر باختلاف حجم الاقتصاد والعملة والسياسة النقدية والقدرة على الاقتراض. غير أنّ اجتماع الديون المرتفعة مع التضخم وتباطؤ النمو والتوترات الجيوسياسية قد يفاقم هشاشة النظام المالي ويزيد احتمالات الأزمات.
5. سباق الذهب وإعادة ترتيب الاحتياطيات الاستراتيجية
يحظى الذهب باهتمام متزايد بوصفه أحد الأصول التي تلجأ إليها بعض البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على عملات وأصول أخرى. وقد أسهمت عوامل متعدّدة، من بينها المخاطر الجيوسياسية وتقلّبات الأسواق والسياسات النقدية، في دعم الطلب عليه خلال فترات مختلفة.
وتبرز الصين ضمن الدول التي تتابَع مشترياتها الرسمية من الذهب وقراراتها المتعلقة بالاحتياطيات. لكنّ ارتفاع الأسعار لا يمكن إرجاعه إلى عامل واحد، ولا يصحّ اعتبار شراء الذهب دليلاً قاطعاً على أنّ حرباً عالمية باتت وشيكة؛ بل هو أحد المؤشرات التي تُقرأ ضمن مجموعة أوسع من التطوّرات العسكرية والحربية والاقتصادية والاستراتيجية.
6. سباق الذكاء الاصطناعي والعسكرة التكنولوجية
لم يعد التنافس بين القوى الكبرى محصوراً في امتلاك الأسلحة التقليدية، بل امتدّ إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والأنظمة الذاتية وتحليل البيانات والاستطلاع والحرب الإلكترونية.
وتتزايد أهمية هذه التقنيات في التخطيط العسكري، وجمع المعلومات، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتعزيز قدرات الطائرات والمسيّرات. ويثير هذا التحوّل أسئلة خطيرة بشأن مستقبل الحروب، وحدود التدخّل البشري في القرارات العسكرية، وإمكان تسارع المواجهات نتيجة الأخطاء التقنية أو سوء التقدير.
وهكذا أصبح التفوّق التكنولوجي أحد ميادين الصراع الاستراتيجي، إلى جانب الاقتصاد والطاقة والسلاح التقليدي.
7. سباق الصواريخ والأسلحة الاستراتيجية والنووية
تستمرّ القوى الكبرى في تطوير ترساناتها الصاروخية والنووية، وتعزيز قدرات الردع، والاستثمار في الصواريخ فرط الصوتية وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والقدرات بعيدة المدى.
وعند جمع هذه المؤشرات، من ارتفاع الإنفاق العسكري والديون السيادية، إلى الصراعات الإقليمية والتنافس النووي والتكنولوجي، مروراً بأزمات الثقة بالمؤسسات الدولية والضغوط الاجتماعية، تتشكّل أمامنا صورة عالم يواجه تحوّلات عميقة في موازين القوى وفي طبيعة النظام الدولي المضطرب
فالعالم لا يشهد أزمة واحدة منفصلة عن غيرها، بل مجموعة من الأزمات المتداخلة التي يمكن أن يؤثّر بعضها في بعض: أزمة اقتصادية قد تتحوّل إلى اضطراب اجتماعي، وتوتّر إقليمي قد ينعكس على أسواق الطاقة، وسباق تسلّح قد يفاقم انعدام الثقة بين الدول، فيما تزيد المنافسة التكنولوجية من تعقيد حسابات الأمن والحرب.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة مفهوم الاختلاف والاضطراب في الروايات المهدوية، لا بوصفه وسيلة لإطلاق أحكام متعجّلة على الأحداث، بل بوصفه موضوعاً يستدعي البحث في النصوص ومصادرها ودلالاتها، ومقارنتها بالواقع وفق منهج منضبط يميّز بين الثابت والمحتمل.
فليس كلّ اضطراب عالمي علامةً من علامات الظهور، وليس كلّ صراع معاصر مصداقاً مباشراً لرواية قديمة. كما أنّ تشابه الأحداث مع بعض الأوصاف الروائية لا يكفي وحده لإثبات انطباقها عليها. غير أنّ متابعة التحوّلات الدولية المتسارعة تظلّ أمراً مهماً لفهم طبيعة العالم الذي نعيش فيه، ولإدراك حجم التغيّرات التي قد تعيد تشكيل النظام الدولي.
خاتمة:
إنّ دراسة الاضطراب العالمي قبيل الظهور الشريف تقتضي الجمع بين الوعي الروائي والوعي التاريخي والسياسي؛ فلا نُهمل الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولا نحمّلها ما لا تحتمل، ولا نُسارع إلى إسقاط كلّ حدث معاصر على نصّ روائي من دون تحقيق.
وإذا كان العالم يشهد اليوم حروبا دموية واضطراباً و تصاعداً في التنافس العسكري، واضطراباً في العلاقات الدولية، وضغوطاً اقتصادية واجتماعية، وتحوّلات تكنولوجية متسارعة، فإنّ هذه الوقائع تستحقّ الدراسة والمتابعة، مع إبقاء مسألة انطباق العلامات على أحداث بعينها خاضعةً للبحث المعمّق.
إنّ الانتظار الواعي لا يقوم على التوقيت والتشخيص، بل على المعرفة والبصيرة والثبات والاستعداد وتهيئة القواعد المناصرة ط، فالغاية ليست مجرّد رصد الأزمات أو تعداد الحروب، وإنما فهم السنن التاريخية، والتمييز بين الوقائع والتأويلات، وتعزيز الوعي بقضايا العدل والإصلاح والمسؤولية.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل البصيرة والثبات، وأن يعجّل فرج وليّه، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.
اللهم عجّل لوليّك الفرج.




