الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..!

منذ أسبوع واحد
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴿سورة آل عمران: 179﴾.

بعد سلسلة الآيات الكريمة التي تناولت أحداث معركة أُحد، وما كشفت عنه من ضعف بعض النفوس، وتراجع بعضها أمام الخطر، وظهور النفاق في مواقف فئة من الذين كانوا يندسّون في صفوف المسلمين، تأتي هذه الآية لتكشف لنا عن قاعدةٍ مهمة تتجاوز الحادثة التاريخية إلى فهم طبيعة بناء الجماعة المؤمنة التي يصطفيها الله لحمل رسالته. ولتكشف لنا أيضًا جانبًا من حكمة الابتلاء، وتجيب عن سؤال قد يراود بعضنا: لماذا لا يُتَرك المؤمنون على حالهم، يعيشون حياة طيِّبة رغيدة، دونما أحداث تعكِّر صفو عيشهم، ولماذا تأتي الأحداث أحيانًا لتكشف ما كان خافيًا من أمورهم الشخصية.

جوابًا عمّا سبق، أقول:

أولًا: إن تأييد الله للمؤمنين لا يقتصر على حمايتهم من أعدائهم، فحين نتحدث عن تأييد الله للجماعة المؤمنة، ينصرف الذهن غالبًا إلى النصر على الأعداء، والحماية من الأخطار، وتهيئة أسباب القوة والتمكين.

لكن لتأييد الله المؤمنين صورًا شتى، ومن تلك الصور أن يكشف لهم عن الخلل في داخلهم، وأن يجعل الأحداث وتقلباتها، والأيام وتداولها، تميّز بين من يحمل الإيمان بصدق ومن يكتفي بالانتساب إليه. فالجماعة التي تخوض صراعًا مع أعدائها تحتاج إلى تماسك داخلي، ووضوح في المرجعية، وصدق في الالتزام، وقدرة على تحمّل التكاليف حين يصبح الطريق صعبًا. وقد يبدو المجتمع المؤمن متماسكًا ما دامت الظروف مريحة. لكن هذا التماسك الظاهري قد يخفي الكثير من الاختلافات والتوجهات، وقد يختلط الصادق بالمنافق، والشجاع بالجبان، والكريم بالبخيل، حتى تأتي اللحظة التي يُطلب فيها من كل واحد منهم أن يظهر على حقيقته ويدفع ثمن موقفه. ففي هذه اللحظة تنكشف الحقائق، وتظهر الفروق.

ولهذا يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فالجماعة المؤمنة ليست مجرد تجمّع للأفراد، بل جماعة تحمل رسالة الله، ويُطلب منها أن تقدّم للناس نموذجًا في الاستقامة والعدل والمسؤولية. ومن ثم فإن بقاء الخلل داخلها من غير تشخيص أو معالجة يهدد قدرتها على أداء هذه الرسالة. فإذا كان أعداؤها يعملون على إضعافها، مرةً بالترهيب والتخويف، ومرةً بالترغيب والإغراء، فإنها تحتاج إلى أن تعرف ما في داخلها من مواطن الضعف، حتى لا تُخترق من خلال الطمع، ولا تُفكَّك بواسطة الخوف، ولا تُستنزف بسبب التردد والتنازع. ومن هنا، فإن كشف الخلل الداخلي قد يكون من أهم صور التأييد والرعاية والتدبير.

ثانيًا: إن معنى التمييز بين الخبيث والطيب، هو ظهور الفارق بين هذا وذاك من خلال المواقف والأعمال، فالخبيث والطيب قد يصعب التمييز بينهما في أوقات الراحة، حين لا تتعارض المصالح، ولا تتطلب المواقف تضحيات كبيرة. وقد يؤدي المنافق أعمالًا عبادية، أو يقدم خدمات اجتماعية، لمصلحة شخصية، أو لأنه يستفيد من الانتماء إلى الجماعة. لكن الصورة تتغير حين يتطلَّب الموقف أن يتنازل الإنسان عن مصلحة شخصية، أو يتحمل خسارة، أو يواجه ضغوطًا شديدة، أو يختار بين رضا الله وبين هوى النفس.

وهنا يظهر الفرق بين من يكون الحق مرجعيته، ومن يجعل الحق تابعًا لما يحقق له مصلحته. وهذا ما يجعل التمييز ضرورةً لاستقامة الجماعة؛ إذ لا يمكنها أن تعالج الخلل ما لم تره، ولا أن تتخذ قرارات صائبة ما لم تميّز بين المواقف ودوافعها، ولا أن تحمي رسالتها إذا ساوت بين الملتزم حقيقة والملتزم شكلًا.

وإن من أعمق دلالات الآية أن عملية التمييز لا تقتصر على أن يرى الآخرون حقيقة غيرهم، بل أن يرى المرء حقيقة نفسه، فغالبًا ما يغفل الإنسان عن نفسه، فيحسبها كاملة لا نقص فيها، ويرى خطواته وقراراته صائبة، ويظن أنه قوي الإيمان، شجاع، ثابت، فإذا به عندما يواجه أول ضغط، يكتشف حقيقة نفسه، وقد يجد نفسه جبانًا أو منهزمًا أو تائهًا لا يهتدي إلى سبيل.

وفي المقابل، قد يخاف الإنسان من موقف صعب، ثم يكتشف أنه أقدر على الثبات مما كان يتصور، وأن إيمانه يمنحه قوةً لم يكن يعرفها في نفسه.
وهكذا تكون المحنة أداةً لكشف حقيقة الجماعة المؤمنة، وكشف حقيقة كل فرد أمام نفسه وأمام غيره، وهذا المعنى لا يجوز أن يغيب عنا عندما نتعرَّض لأزمة، أو نواجه محنة، ونرى بعضنا يتراجع وبعضنا الآخر يثبت، لنسأل أنفسنا: ما الذي استفدناه من هذه التجربة، وما الذي كشفته لنا عن أنفسنا، وإلى أي صنف ألحقتنا.

✍️ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 19/10/2026 الساعة (05:40)