قال تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿سورة آل عمران: 174﴾..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿سورة آل عمران: 174﴾
لا يُفهم مراد الله تعالى في هذه الآية إلا بالرجوع إلى الآية التي سبقتها، والتي تفيأنا ظلالها يوم أمس، وكان ينبغي لنا أن نجمع الحديث عن الآيتين، غير أننا فضلنا أن نفرد كل واحدة منهما في مقالة خاصَّة تجنُّبًا للإطالة التي لا تتناسب مع النشر في وسائل التواصل الاجتماعي.
في الآية التي سبقت، انصب حديثنا حول مقاومة الترهيب والثبات أمامه، والنهوض إلى أداء التكليف، والتوكل على الله تعالى المالك لكل شيء، والقاهر فوق عباده، وأن المؤمنين لا يفتُّ تهديد العدو من عضدهم، ولا ينال من عزيمتهم، ولا تخيفهم حشوده، وإن كانوا يتعاملون معها بواقعية، ويحسبون لها حسابها، ولكنهم يزدادون إيمانًا بالله، وإيمانًا بقضيتهم ورسالتهم. أما الآية التي بين أيدينا فالحديث فيها يتمحور حول قيمة الاستجابة للتكليف، وعدم الاستجابة للتخويف والترهيب، والنتائج العظيمة التي تترتب على ذلك.
في المقالة السابقة ذكرنا أنه بعد معركة أُحد، كان المسلمون أمام اختبار جديد. فقد أصابهم ما أصابهم من القتل والجراح، ثم واجهوا تهديدات بأن عدوهم سيعود لاستئصالهم. ومع ذلك، استجاب الذين لبّوا نداء الله ورسوله، لا سيما الجرحى منهم، وخرجوا رغم ما كانوا يعانونه من آثار المعركة. وعندما خوّفهم الناس من تحشيد العدو وقوته، لم يتزلزلوا، بل قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. فلما وصلت الأخبار إلى أبي سفيان أن المسلمين، لا سيما الجرحى منهم، يتجهزون للخروج إلى قتاله، أخافه ذلك، فقرَّر العودة إلى مكة، وزال التهديد للمسلمين لأن التهديد لم يُخفهم ولم ينل من عزيمتهم، بل زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، ويقينًا إلى يقينهم.
ثم تأتي الآية التالية لتصف عاقبة هذا الموقف: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. ونلاحظ هنا أن الآية الكريمة لا تكتفي بإخبارنا بعودة الذين استجابوا لرسول الله (ص) وخرجوا يطلبون العدو، على الرغم مما بهم من جراح، بل تلفت أيضًا إلى ما قد يترتب على الاستجابة للتكليف من آثار، وإلى فضل الله على عباده، من غير أن يعني ذلك أن كل استجابة تنتهي بالضرورة إلى السلامة من الأذى في الدنيا.
لقد خرجوا وهم يعلمون أن العدو قد جمع لهم، وأن احتمال المواجهة قائم، وأن ما مَرّوا به في أُحدٍ يجعل أي مواجهة جديدة مكلفة. ومع ذلك، لم يخضعوا للتهديد، ولم يمنعهم الترهيب من الاستجابة لنداء رسول الله (ص)، بل ازدادوا إيمانًا، وانطلقوا لملاقاة عدوهم على يقين مِمّا هم عليه، محتسبين أمرهم لله، ومتوكلين عليه، ثم عادوا من غير أن يمسهم سوء في تلك الحادثة.
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ لقد عادوا سالمين لم يمسسهم سوء، عادوا بنعمة، ولم تذكر الآية ماهية تلك النعمة، ولكنها نعمة عظيمة غير متوقَّعة، وقد يكون في تنكير كلمة “نعمة” إشعار بعظمها. وعادوا بفضل، والفضل هو العطاء الزائد، وما يتفضل الله به على عباده فوق ما يستحقونه.
أجل، عادوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ وقد ذكر المفسرون في تفسير هذين اللفظين معاني متكاملة، فالنعمة تشمل العافية والسلامة من العدو، والفضل يشمل الأجر الذي نالوه بطاعتهم واستجابتهم. وذكر بعض المفسرين أيضًا أن الفضل يشمل ما أصابوه من ربح التجارة في تلك الرحلة. وهذا يفتح أمامنا معنى مهمًا وهو: لم تكن حصيلة خروجهم مقتصرة على السلامة الجسدية، ولم يكن غياب المواجهة يعني أنهم عادوا بلا مكسب. لقد عادوا بسلامة الأبدان، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ وبأجر الطاعة، وما أفاض الله عليهم من فضله. فما ناله هؤلاء الصادقون الثابتون كان من فضل الله؛ إذ وفّقهم للاستجابة، وأعانهم على الثبات، وأعادهم سالمين، ولم يُضِع أجرهم.
وبعد أن ذكر الله النعمة والفضل والسلامة، أضاف: ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. لقد استجابوا لله ورسوله، وخرجوا رغم الجراح والتهديد، ولم يسمحوا للخوف بأن يصرفهم عن النهوض إلى أداء تكليفهم. فكان اتباعهم رضوان الله جوهر الموقف، ولم تكن قيمة استجابتهم متوقفة على ما حققته لهم من سلامة، أو على الأجر الذي نالوه.
ثمّة دلالة أخرى يمكن استخلاصها من تلك الوقعة. فالمسلمون خرجوا استعدادًا لمواجهة العدو، لكن المواجهة لم تقع، ثم عادوا سالمين. فقد يكون الاستعداد جزءًا من تحمل المسؤولية، وقد يكون الثبات في الموقف عاملًا في إحباط التهديد، وقد تكون الاستجابة نفسها ذات قيمة أخلاقية وتربوية، حتى عندما لا تنتهي إلى مواجهة فعلية.
✍️ السيد بلال وهبي ||
فجر يوم الأحد الواقع في: 18/10/2026 الساعة (05:38)




