الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

زينب سيدةُ المقـــاومةِ المنتصرةِ..!

منذ أسبوعين
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

د. أمل الأسدي ||

 

 

في حياتِنا صورةٌ عُليا للمقـــاومةِ، صورةٌ متفرّدةٌ لا تتكرّرُ، ولا يحدُّها زمانٌ أو مكانٌ، إنَّها صورةُ السيدةِ زينبَ (عليها السلام)، التي لم تبقَ حبيسةَ التاريخِ، بل تجاوزتْ حدودَه لتكونَ حاضرةً في بيوتِنا، وفي وجدانِنا، وفي قلوبِ الناسِ جميعاً؛ لأنَّها المثالُ الأعلى للصبرِ والثباتِ في مواجهةِ المحنِ.
ولكنَّ صبرَ زينبَ لم يكنْ خنوعاً، ولم يكنْ خضوعاً أو استسلاماً، بل كان صبرَ المــقاومِ الذي يعرفُ قضيّتَه، ويؤمنُ بحقِّه، ويواجهُ الظلمَ بكلِّ ما يمتلكُ من قوّةٍ وإيمانٍ!
فإذا كان سيفُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (عليه السلام) قد طاردَ المشركينَ والمارقينَ، فإنَّ لسانَ زينبَ كان امتداداً لذلك السيفِ، يلاحقُ الباطلَ، ويفضحُ الظلمَ، ويهدمُ عروشَ الطغيانِ بالكلمةِ والموقفِ! لقد كان لسانُ( زينب) ابنَ سيفِ أبيها! فكانتْ في صبرِها عظيمةً، وفي خطابِها مهابةً، وفي موقفِها قوّةً لا تنكسرُ.
ولهذا لا تكادُ امرأةٌ تتعرّضُ للظلمِ أو القهرِ أو الفقدِ، ولا إنسانٌ تضيقُ به الحياةُ وتشتدُّ عليه المحنُ، إلّا ويجدُ في زينبَ ملاذاً روحيّاً، فيناديها ويناجيها، ويستحضرُ صبرَها وموقفَها، وكأنَّها حاضرةٌ معه في محنتِه، تعلّمُه كيف يصبرُ من غيرِ أن ينكسرَ، وكيف يقاومُ من غيرِ أن يتخلّى عن إيمانِه.
لقد وهبَها اللهُ تعالى مكانةً عجيبةً في قلوبِ الملايينِ، وسخّرَ لها من المحبّةِ والولاءِ ما جعلَ حضورَها ممتدّاً في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ فملايينُ الألسنِ تذكرُها وتسلّمُ عليها، وملايينُ القلوبِ تهفو إليها، وتجدُ في سيرتِها مثالاً للصبرِ والثباتِ والمقاومةِ.
ولأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى جعلَ التضحيةَ العظيمةَ من نصيبِ العظماءِ، فقد كانتْ تضحيةُ زينبَ (عليها السلام) صورةً استثنائيةً من صورِ الإيمانِ؛ إذ قدّمتْ في سبيلِ اللهِ ودينِه ما تعجزُ الكلماتُ عن وصفِه، وآثرتْ طاعةَ اللهِ على عاطفتِها وأمومتِها، وحملتْ آلامَ الفاجعةِ من غيرِ أن تتخلّى عن رسالتِها.
ولعلَّ من أعجبِ صورِ الانتصارِ أنَّ زينبَ، وهي تقفُ في مواجهةِ السلطةِ التي أرادتْ محوَ ذكرِ أهلِ بيتِها، أعلنتْ بثقةِ المؤمنِ المنتصرِ: (فواللهِ لا تمحو ذكرَنا، ولا تميتُ وحيَنا، ولا تدركُ أمدَنا).
إن السيدةَ زينب (عليها السلام) قد قدّمتْ أعظمَ صورِ الاستشرافِ وأصدقَها في التاريخِ؛ إذ استشرفتْ مستقبلَ أمّةٍ بأكملِها، وهي تقفُ في قلبِ الفاجعةِ، وترى بعينِ بصيرتِها ما لم تستطعْ أبصارُ المنتصرينَ يومئذٍ أن تراهُ! لقد أدركتْ أنَّ النصرَ الحقيقيَّ ليسَ في الغلبةِ بالسيفِ، بل في بقاءِ الحقِّ وامتدادِ أثرِه، فكانتْ كلماتُها إعلاناً عن انتصارٍ لم يكنْ قد اكتملَ في واقعِ الناسِ، لكنَّه كان حاضراً في يقينِها وإيمانِها باللهِ تعالى.
وها هي القرونُ تمضي، ويبقى ذكرُها حاضراً، وصوتُها ممتدّاً، ورايتُها مرفوعةً، وكأنَّ التاريخَ كلَّه يشهدُ على صدقِ ذلك الاستشرافِ العظيمِ!
إنَّها سيدةُ المقاومةِ المنتصرةِ؛ لأنَّها لم تنتصرْ على الظلمِ في لحظةٍ تاريخيةٍ فحسبُ، بل انتصرتْ على النسيانِ، وعلى محاولاتِ محوِ الذاكرةِ، وأصبحتْ رمزاً خالداً لكلِّ من يرفضُ الذلَّ، ويتمسّكُ بالحقِّ، ويؤمنُ بأنَّ التضحيةَ في سبيلِ اللهِ لا تضيعُ.
وهكذا لم تكنْ زينبُ مجرّدَ امرأةٍ عظيمةٍ مرّتْ في التاريخِ، بل أصبحتْ مدرسةً خالدةً في الصبرِ والمقاومةِ، وبرهاناً على أنَّ القوّةَ ليستْ في السيفِ وحدَه، بل في الكلمةِ التي لا تنحني، والموقفِ الذي لا ينكسرُ، والإيمانِ الذي لا يُهزمُ!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ