الجمعة - 25 سبتمبر 2026

خريف الدروع: قراءة في النواميس المكتومة لوادي الرافدين..!

منذ 45 دقيقة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

 

في فقه المآلات وحسابات الهيبة، لا توجد منطقة رمادية بين الثبات والاندحار؛ ففي اللحظات المصيرية التي تُعاد فيها صياغة الخرائط ، وتُوزع فيها الحصص خلف الستائر الكثيفة، لا يُعد التراجع خطوة إلى الوراء ملاذاً آمنًا أو مناورةً بارعة، بل هو أول نذر الهرب البواح.

إن الجغرافيا السياسية، بطبيعتها الشرهة، لا تترك فراغاً إلا وملأته ببديل أكثر قسوة، وكل تراجع في لحظة الاشتباك هو توقيع ضمني على صك (العزل). وهنا تكمن الخطيئة الكبرى لأولئك الذين توهموا أن خلع الدروع السياسية والسيادية في مواجهة العواصف الوافدة هو ضرب من “البراغماتية المستنيرة”.

إنهم يغفلون عن ناموس أزلي: السهام لا تفاوض، والرياح لا تحابي الوجوه المكشوفة. فمن استأمن النصال على صدره، ونزع أغطية حمايته (القانونية والشعبية) خضوعاً لإملاءات اللحظة، ليس له أن يتباكي إن نخرت “السهام سويداء قلبه”؛

فالقلاع التاريخية لا تُحرس بالنيات الطيبة، والسيادة التي تُستجدى في كواليس التوافقات الهشة لا تعيش حتى مطلع الفجر ( والفجر قريب) . وفي المشهد الرافديني المعقد، حيث يتحرك المشهد فوق أرض تمور بالتناقضات، تدور رحى لعبة بابلية بالغة الدهاء.

إن الطاولة التي يجلس حولها الفاعلون ليست مسطحة، بل هي مسرح للمرايا العاكسة والمخفية؛ فثمة من يتوهم أنه يقود الدفة لمجرد أن الريح تهب في شراعه اليوم، غافلاً عن أن السفينة نفسها تسير بوقود مستعار، وأن الموانئ التي ينتظرها قد تغيرت إحداثياتها في دفاتر الكبار.

إن الإشارات المبطنة المحتبسة بين السطور تحذر من مغبة المراهنة على “توازن الرعب” الخارجي لترميم الشروخ الداخلية. فالأنهار العاتية إذا فاضت لا تسأل السدود عن هويتها، والخطوة التي تُمحى اليوم بذريعة “المرونة التكتيكية”، هي المسمار الأول في نعش شرعية متخيلة استُمدت من توافق مؤقت لا من جذر راسخ.

أما الألغاز التي تغلف “صندوق السياسة المغلق” في العاصمة، فتشير إلى أن الأزمة الحقيقية ليست فيمن يملك مفاتيح البوابات الخضراء، بل فيمن يملك القدرة الخفية على استبدال الأقفال برمتها دون جلبة.

وحين تتداخل ظلال “الجار القريب” مع خطوط “البعيد النافذ”، يصبح الصمت بحد ذاته تصريحاً، وتتحول الخطابات الحماسية إلى مجرد سحب دخانية لتغطية مقايضة كبرى تُطبخ على نار هادئة.

يا سدنة القرار وأصحاب الظلال الكثيفة: إن من يفرّ اليوم شِبراً تحت وطأة الحسابات المعقدة، سيجد نفسه غداً يركض أميالاً وراء سراب الوعود، تاركاً خلفه إرثاً مكشوفاً، وقصراً بلا أسوار، ليكون لقمة سائغة لعابري السبيل في ليل السياسة المظلم.