الجمعة - 25 سبتمبر 2026

أزمة المفهوم: كيف تحولت السياسة في العراق من “إدارة الدولة” إلى “إدارة الخلاف”؟!

منذ 30 ثانية
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

د. عادل شريف الحسيني ||
26/9/2026

 

 

 

ترتبط أزمتنا البنيوية في العراق ارتباطاً وثيقاً بخللٍ عميق في فهمنا لجوهر السياسة؛ فالسياسة بمفهومها العملي والأكاديمي المستقر عالمياً هي “إدارة مصالح المجتمع والدولة”، بينما تحولت في وعي وممارسة معظم سياسيي بلدنا إلى مجرد “إدارة للخلاف وفن الممكن”، وهناك فرق شاسع وفجوة هائلة بين هذين المفهومين.

في المفهوم الأول (إدارة مصالح الدولة)، تشمل هذه الكلمات الثلاث الجوانب الإدارية كافة؛ وتعني تشريع القوانين، والحفاظ على المال العام، وتحديد مصالح المجتمع وااحتياجاته كلها؛ بدءاً من الأمن المائي والطاقة، وصولاً إلى الأمن الاقتصادي والقومي والبيئي. أما مفهوم “إدارة الخلاف” الذي يتحدث عنه معظم سياسيي العراق، فهو يمثل جزئية بسيطة من العمل السياسي، لكنها وللأسف استهلكت جهود ووقت الطبقة السياسية كلها على مدى العقود الماضية.

تكمن المشكلة الثانية في “أزمة التخصص”؛ ففي الدول المتقدمة، يكون السياسيون مثقفين ومتخصصين في السياسة أكاديمياً ومهنياً؛ سواء أكانت تخصصاتهم في العلوم الإنسانية كالقانون والعلاقات الدولية، أم في المجالات الاقتصادية والمالية والإدارية. ولنا في تجربة سنغافورة خير مثال؛ حيث نجحت في التحول من جزيرة فقيرة بلا موارد إلى مركز مالي عالمي بفضل اعتمادها على “حكومة الكفاءات” (Meritocracy)، واستقطاب أصحاب التخصصات الدقيقة لإدارة مفاصل الدولة بعيداً عن الولاءات الضيقة. بالمقابل، نجد أن معظم سياسيي العراق غير متخصصين بالشأن السياسي، أو الإداري، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، ولذلك تجد بينهم من لا يفقه شيئاً من أدبيات السياسة والإدارة؛ فبدلاً من تطبيق القانون وحماية المال العام، تجده يخالف التشريعات ويتجاوز على مقدرات الدولة.

علاوة على ذلك، فإن شريحة واسعة من “السياسيين” العراقيين لا يعنيهم صناعة التاريخ أو ترك أثر اجتماعي وسياسي إيجابي، بقدر ما يعنيهم تحقيق مكاسب شخصية، وحزبية، وفئوية ضيقة. وللأسف، فإن مفهوم “الوطن” غائب تماماً في وعي الكثير منهم، حيث يغيب التمييز بين الدولة والوطن، وبين الاقتصاد والمال، وبين المصالح الوطنية العليا والسياسات الآنية، وحتى بين العلاقات الدولية والشخصية؛ متناسين القاعدة الذهبية بأن “العلاقات الدولية لا تعرف أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل مصالح مشتركة ودائمة”.

هذا القصور ينعكس أيضاً في غياب التخطيط للمستقبل، مما يرسخ ثقافة اجتماعية سلبية تلخصها الأمثال الشائعة مثل: “منو أبو باچر؟” وثقافة “آني شعليّ”. ولو نظرنا إلى الدول الإسكندنافية كالنرويج، لوجدنا نموذجاً حياً لكيفية الحفاظ على المال العام؛ فرغم امتلاكها ثروة نفطية ضخمة تشبه ثروات العراق، لم يستهلكها الساسة في صراعات آنية، بل أسسوا صندوقاً سيادياً للأجيال القادمة، مؤكدين أن السياسة الحقيقية هي التخطيط للغد وتأمين احتياجات المجتمع المستدامة.

إننا اليوم أمام معضلة حقيقية لا أعتقد أن الطبقة السياسية الحالية قادرة على استيعابها أو إيجاد حلول لها؛ لأن “من شبّ على شيء شاب عليه”، ومن الصعب جداً تغيير قناعاتهم ورؤيتهم الضيقة. بناءً على ذلك، فإن الحل -في رأيي المتواضع- لا يكمن في محاولة تغيير قناعات الوجوه الموجودة، بل في خلق تيار جديد موازٍ للتيار التقليدي.

يجب أن يعيد هذا التيار صياغة مفهوم السياسة بوصفها أداة لإدارة مصالح الدولة والشعب، لا إدارة مصالح الأفراد والأحزاب والعوائل، تماماً كما فعلت جمهورية رواندا التي تخلصت من إرث حرب أهلية وإبادة جماعية طاحنة عبر تصفير الخلافات وصهر الهويات الفرعية في هوية وطنية واحدة قائمة على التنمية والتنافس الاقتصادي، وكما نجحت ماليزيا في تحويل التنوع العرقي والديني إلى طاقة إنتاجية برؤية مستقبلية موحدة. إننا بحاجة إلى تيار جديد يؤمن بالوطنية ليس بمفهومها الشوفيني (القومي) أو الديني أو الأيديولوجي، وإنما بمعناها الإنساني والاجتماعي القائم على المصالح المشتركة والمصير الوطني الواحد.