الجمعة - 25 سبتمبر 2026

غيداء البياتي… أم حملت فكراً و أنجبت رجالاً أكملوا الطريق..!

منذ 56 دقيقة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

زمزم العمران ||

 

 

 

قال تعالى في كتابه الكريم : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) .

لم تكن المقاومة يوماً حكاية رجالٍ وحدهم، ففي خلف كل رجلٍ حمل قضية، أمرأةٌ صنعت في داخله الإيمان بها، وفي كل بيتٍ خرج منه من اختار طريق التضحية، أمُّ زرعت في أبنائها معنى العزة و الكرامة و الوقوف إلى جانب المظلوم، ومن بين أولئك النساء اللواتي حملن هذا الوعي،وامتزجت في حياتهن الأمومة بالعطاء و التضحية، تبرز سيرة الشهيدة غيداء خضر حيدر البياتي، أمرأةٌ لم تكتفِ بأن تكون امًّا لأبنائها، بل كانت لهم مدرسةً في الصبر و الموقف و الانتماء.

وُلدت غيداء عام 1972 في الموصل، ولم تمهلها الحياة طويلاً لتعرف دفء الوالدين، فقد فقدت والدها وهي في الثانية من عمرها، ثم رحلت والدتها بعد عام واحد، لتنشأ يتيمةً إلى جانب إخوتها لكن اليُتم لم يكسرها، بل صنعت من قسوة البدايات قوةً رافقتها طوال حياتها ،عملت قبل سقوط النظام السابق معلمةً في مدرسة الحرية، ثم عاشت بعد زواجها مسؤولية أسرةٍ و أبناء، وكانت لهم أماً و أباً في آنٍ واحد، ولم تتوقف عند حدود بيتها، ففي عام 2006 عملت في منظمة من منظمات المجتمع المدني، وشاركت في أعمال و مساعدات إنسانية، وقدمت العون للكثير من الناس، كما ساهمت في إبلاغ القوات الأمنية عن عناصر من تنظيم القاعدة في الموصل، وجازفت بحياتها في سبيل حماية القوات الأمنية و أبناء القوميتين التركمانية و الشبكية خلال سنوات الفتنة الطائفية.

ومع مرور السنوات، اتسع حضورها في العمل العام، حتى ترشحت عام 2009 ضمن قائمة حزب الدعوة، ثم انتمت عام 2010،إلى عصائب أهل الحق، والتحقت بمجموعة الشهيد محمد النداف و الحاج جواد الطليباوي، لتبدأ مرحلةً جديدة من حياتها ،كانت تحمل أمنيةً واضحة، أن تذهب إلى سوريا للدفاع عن مرقد السيدة زينب عليها السلام، وكانت ترى أن التضحية لا تتوقف عند حدود الإنسان نفسه، بل تشمل أبناءه أيضاً، ولذلك قالت : أنا أمرأة أضحي بنفسي و أولادي من أجل المقاومة.

ولم تكن كلماتها مجرد أمنية ؛ فقد سار ابنها الشهيد محمود سامي الشبكي في الطريق ذاته ، وواصلت غيداء عملها مع مجموعة الشهيد محمد النداف، ونفذت واجبات عدة ضد تنظيم داعش، ومع انكشاف نشاطها أصبحت حياتها وحياة ابنائهافي دائرة الخطر ، وتعرضت للتهديد والملاحقة ،ومن بين مانُقل عنها أنها تلقت تهديدا من أثيل النجيفي قيل فيه : «مكانك خارج الموصل ،انتِ رافضية » .

ثم جاءت اللحظة التي اختبرت صبر الأم ،في 3 شباط 2014 ، وأثناء تنفيذ ابنها محمود واجباً ضمن الشرطة الاتحادية لاستهداف أحد مواقع داعش في ناحية الشورة بالموصل،انفجرت عبوة ناسفة أدت إلى إصابته إصابة بالغة وفقدانه إحدى عينيه ، كان يمكن لمثل هذه الضربة أن تهز قلب أم فقدت الامان منذ طفولتها، لكنها لم تتراجع بل وقفت إلى جانب ابنها وحملته إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتلقي العلاج،حيث استمر علاجه ثلاثين يوما، وبعد عودتها بثلاثة أيام فقط ،وفي 25 آذار 2014 امتدت إليها يد الجماعات التكفيرية في الموصل،فأغتيلت غيداء خضر حيدر البياتي.

رحلت المرأة التي عرفت اليُتم صغيراً، وحملت مسؤولية ابنائها ، وخدمات الناس وخاضت مخاطر الطريق الذي اختارته ، ثم دفعت حياتها ثمناً لمواقفها،لكن حكايتها لم تنتهِ عند لحظة استشهادها ، فالأم التي أفنت عمرها في تربية أبنائها، تركت خلفها رجالاً يحملون من إرثها ماهو ابقى من المال واقوى من الكلمات والموقف والصبر والوفاء لِما آمنت به ، ولم يتحول استشهادها إلى نهاية لطريق ابنائها ، بل صار في وجدانهم ذكرى أم رحلت ، وهي تؤمن أنهم قادرون على مواصلة الطريق الذي تربوا عليه .

وهكذا بقي اسم غيداء حاضراً في ابنائها ؛ أماً فقدوها ومثالاً أستمدوا منه الصبر وذكرى حملت معنى التضحية حتى النهاية ، وكان من بين أبنائها من واصل الطريق حتى لحق بها شهيداً ،محافظاً على ماتربى عليه من مبادئ وقيم وحب للوطن ، رحلت غيداء لكن الام التي زرعت في ابنائها معنى الثبات لم ترحل من ذاكرتهم ، تركت خلفها أبناء يحملون اسمها وسيرة لاتختصر بتاريخ ولادة أو تاريخ إستشهاد ؛ لأنها حكاية امرأةٍ بدأت حياتها يتيمة وانتهتها شهيدة ، وبين الميلاد والاستشهاد عاشت أماً ومعلمة وخادمة للناس ، ودفعت من عمرها وأمنها وحياتها ثمناً لما آمنت به .

سلام على غيداء يوم وُلدت ، ويوم عاشت صابرة ويوم رحلت شهيدة ، ويوم تُبعث حيّة .