الجمعة - 25 سبتمبر 2026

ثورة 26 سبتمبر: أم الثورات اليمنية وشعلة الحرية الخالدة..!

منذ 38 دقيقة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

العميد الركن دكتور/ حسن حسين الرصابي ||

 

 

تحلّ علينا الذكرى الرابعة والستون لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، لتستدعي في الوجدان اليمني لحظة تحول تاريخية فارقة، غيرت مجرى التاريخ وكسرت أغلال العزلة والجمود. إنها «أم الثورات اليمنية» والينبوع الأوليّ الذي انبثقت منه كل حركات النضال الوطني؛ فالانطلاقة السبتمبرية عام 1962م هي التي عبدت الطريق لثورة 14 أكتوبر الخالدة ضد الاستعمار، ووضعت اللبنات الأساسية لإنهاء عهود الاستبداد والتخلف، وإرساء دعائم الحكم الجمهوري القائم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
لم تكن ثورة 26 سبتمبر مجرد حدث سياسي أو تغيير عابر في نظام الحكم، بل كانت انبعاثاً حضارياً وإنسانياً شاملاً، واستعادةً لإرادة الشعب الذي رزح عقوداً تحت وطأة الجهل والفقر والمرض. لقد جاءت أهدافها الستة الخالدة لترسم معالم الدولة الوطنية الحديثة؛ عبر بناء جيش وطني قوي، وتحقيق نهضة تعليمية واقتصادية، وإقامة علاقات متوازنة تسودها الكرامة والسيادة.
وفي تفاصيل تلك اللحظة التاريخية، تلاحمت عزيمة الأحرار مع أشواق الشعب التواق للحرية، فتفجرت بركاناً يعيد للوطن اعتباره في يومٍ سيبقى في خالد التاريخ موصول الفخار. وقد جسد أدباء اليمن وشعراؤه هذه الملحمة الخالدة بأروع الصور الفنية؛ إذ يقول الدكتور عبد العزيز المقالح في رائعته التي خلدت يوم 26 سبتمبر 1962م:
– وثأرتِ يا صنعاء
– رفعتِ رؤوسنا بعد انكسار
– أخرجتِ من ظلماتكِ الحبلى أعاصير النهار
– وولدتِ هذا اليوم بعد ترقبٍ لكِ وانتظار
– فأتى كما شاءت إرادات المنى وهج انتصار
– يوماً نقدسه ونُرضعه أمانينا الكبار
– يوماً سيبقى خالد الساعات موصول الفخار
إن هذا الميلاد الجديد لم يكن وليد المصادفة، بل كان تتويجاً لنضالات وتضحيات جسام سكب فيها الشهداء دماءهم الزكية، وهو ما عبر عنه “أبو الأحرار” الشهيد محمد محمود الزبيري بأبياته الخالدة التي اختزل فيها عظَمة الجهد الشعبي في صناعة الفجر الجديد:
– يَوْمٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ تَصْنَعْ أَشِعَّتَهُ    شَمْسُ الضُّحَى بَلْ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا
– قَدْ كَوَّنَتْهُ أُلُوفٌ مِنْ جَمَاجِمِنَا    وَجَمَّعَتْهُ قُرُونٌ مِنْ مَآسِينَا
ويمتد هذا النبض السبتمبري الخالد في وجدان الشعراء والكتاب الأحرار عبر الأجيال، ليصوغ العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي ملامح الفجر المشرق والمسؤولية الوطنية لحماية مكاسب الجمهورية في أربعة أبيات شامخة من قصيدته «سبتمبر المجد»:
– جَلَّى سَبْتَمْبَرُ عَنَّا الظَّلْمَاءَ وَالدُّجَى    وَأَشْرَقَ الفَجْرُ فِي أَرْجَائِنَا بَهِيَا
– دَكَّ العُرُوشَ وَأَنْهَى العَزْلَ فِي زَمَنٍ    وَأَنْقَذَ الشَّعْبَ مِنْ دَهْرٍ لِكَيْ يَحْيَا
– أَهْدَى إِلى الأَرْضِ نُوراً لا خُبُوَّ لَهُ    وَأَبْدَلَ الخَوْفَ إِيمَاناً وَمَجْداً هَنِيَا
– فَصُنْ لِوَاءَ الـمَعَالِي خَافِقاً أَبَداً    وَاحْمِ الجُمْهُورِيَّةَ حُرَّاً شَامِخاً أَبِيَا
إن احتفاءنا اليوم بهذه المناسبة الوطنية العظيمة يتجاوز حدود الاستذكار التاريخي ليغدو تجديداً مستمراً للعهد والالتزام بالقيم والمبادئ التي ضحى من أجلها الأحرار. فالجمهورية ليست مجرد شعار، بل هي مضمون يتجسد في صون الكرامة، وتوحيد الخطاب الوطني والديني، وترسيخ الوعي القومي والجامع لدى الأجيال المتتابعة لحماية مكاسب الثورة والحفاظ على هوية الوطن ووحدة الشعب وسيادته.
ستبقى ثورة 26 سبتمبر هي المرجع والأساس لكل تطلعات اليمنيين نحو المستقبل، وستظل أهدافها المضيئة مناراً يستمد منه الشعب القوة والثبات في مواجهة كل التحديات، مؤكدين أن إرادة الشعوب الحرة لا تقهر، وأن فجر سبتمبر سيبقى مشتعلاً لا يطفئه زمن.