بشرى سارة… السوق مات تحت عجلات التيجان..!
زيد الحسن ||

يبدو أن لدينا وصفة اقتصادية جديدة لإنقاذ المواطن من الاستهلاك ،أن نجعله عاجزاً عن الشراء أصلاً ، وهكذا نحل مشكلة غلاء المعيشة بطريقة عبقرية لا تحتاج إلى خفض الأسعار ، بل إلى خفض قدرة الناس على الوصول إليها .
هناك شيء غير طبيعي يحدث في الأسواق العراقية اليوم ، فالمشكلة لم تعد في ارتفاع سعر سلعة هنا ، أو انخفاض أخرى هناك ، وإنما في الشعور العام بأن اليد التي تدخل إلى الجيب تخرج منه وهي أكثر حزناً مما دخلت ، والمواطن يذهب إلى السوق بقائمة احتياجات ثم يعود بقائمة من الأمنيات المؤجلة ، والتاجر يقف أمام بضاعته منتظراً زبوناً صار يحسب قيمة مشترياته قبل أن يمد يده إلى جيبه ، وهكذا يصبح السوق في ظاهرة اقتصادية عجيبة مليئاً بالبضائع وفقيراً بالمشترين ، والبنك المركزي نفسه تحدث في التاسع عشر من أيلول عن ارتفاع الأسعار وتباطؤ حركة السوق وأرجع ارتفاع سعر الصرف في السوق المحلية إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية ، مؤكداً في الوقت نفسه كفاية الاحتياطيات الأجنبية وتمويل التجارة الخارجية .
لكن المواطن لا يستطيع أن يضع بيان البنك المركزي في كيس المواد الغذائية ، ثم يعود به إلى البيت فالأرقام شيء والمائدة شيء آخر ، وقد تكون المؤشرات الرسمية للتضخم مستقرة في فترات معينة ، بل إن وزارة التخطيط أعلنت في كانون الثاني 2026 استقرار التضخم السنوي ، واعتبرت ذلك مؤشراً على ثبات القوة الشرائية مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق غير أن المواطن يقيس الاقتصاد بطريقة أكثر بدائية من كل المؤشرات ، فهو يفتح محفظته ويسأل ببساطة ماذا كان راتبي يشتري قبل أشهر وماذا يشتري الآن ، وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الاقتصاد كما يكتب في التقارير والاقتصاد كما يعاش في البيوت والأسواق .
المشكلة إذن ليست في سعر الصرف وحده ولا في التاجر وحده ، ولا في المواطن الذي لم يعد يعرف أيهما أسرع ارتفاعاً الأسعار أم حاجاته ، المشكلة في اقتصاد يستطيع أن يملك الموارد ولا يستطيع دائماً تحويلها إلى شعور مستقر بالأمان المعيشي ، فالعراق ليس بلا موارد حتى نتعامل مع الأزمة وكأنها قدر جغرافي ، بل هو بلد يمتلك النفط والإيرادات والطاقات البشرية والأسواق ومع ذلك ما زال المواطن يدفع ثمن اختلالات تتكرر بأشكال مختلفة ، وإذا كانت الدولة تتحدث عن إصلاح مصرفي ودعم الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص والاستثمار والإنتاج فإن السؤال الطبيعي هو متى يترجم هذا الكلام إلى حركة في السوق يشعر بها المواطن ؟ لا إلى عناوين جديدة في نشرات الأخبار .
والأكثر إثارة للسخرية أن المواطن العراقي صار يؤدي دور الخبير الاقتصادي ، من دون أن يحصل على راتب خبير اقتصادي ، فهو يعرف سعر الدولار قبل أن يعرف أخبار السياسة ، ويعرف أن ارتفاعه في السوق سيصل إلى البقالة حتى لو كان لا علاقة للبقالة بالدولار ، إلا أن بعض محتوياتها جاءت من الخارج ويعرف أيضاً أن التاجر ليس جمعية خيرية وأن التاجر نفسه يشتكي من الركود وأن الحلقة كلها تدور حول المواطن الذي يدفع في النهاية ، وهنا لا تنفع كثيراً عبارة المضاربات إذا بقي أثرها يصل إلى السوق فيما تبقى قدرة الدولة على حماية المستهلك موضع سؤال ، فالمواطن لا يريد درساً في أسباب المشكلة بقدر ما يريد أن يعرف من سيمنع المشكلة من التحول إلى أسلوب حياة ؟
أما الحديث عن تجويع الجياع فيجب أن يكون سؤالاً سياسياً لا حكماً مسبقاً على النيات ، فلا توجد سياسة حكومية معلنة تقول إن هدفها تجويع المواطن ، لكن استمرار الضغط على أصحاب الدخول المحدودة من دون حلول محسوسة يفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً ، ما هي الأولوية الحقيقية في أي برنامج اقتصادي ، هل هي حماية القدرة الشرائية للمواطن ؟ أم الاكتفاء بإدارة الأزمة من شهر إلى شهر ؟ فالدولة التي تريد اقتصاداً حياً تحتاج إلى مواطن قادر على الشراء ، والعامل القادر على الإنتاج والتاجر القادر على البيع والمستثمر الذي يرى في السوق فرصة لا مغامرة ،وحتى وزارة التخطيط تتحدث عن التحول إلى اقتصاد أكثر تنظيماً بهدف تحسين البيانات ، وتوجيه الموارد وقياس الأداء ووضع سياسات تستند إلى الأدلة .
وهنا نصل إلى السؤال الذي لا يحتاج إلى جدول حسابات ، ولا إلى مؤتمر اقتصادي ، أين أصحاب القرار عندما يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع فاتورة كل اختلال ؟ وأين الأولويات التي تجعل كرامة الإنسان معياراً للسياسة الاقتصادية ، لا فقرة جميلة في الخطابات ، وأين تيجان الرؤوس التي يفترض أنها ترى ما لا يراه المواطن ؟ إن المواطن لا يطلب معجزة اقتصادية ولا يريد أن يصبح مليونيراً بين ليلة وضحاها ، بل يريد اقتصاداً لا يعاقبه لأنه اشترى حاجاته الأساسية ويريد راتباً لا يتبخر قبل نهاية الشهر ، وسوقاً لا يحتاج فيه إلى مفاوضات طويلة مع نفسه قبل أن يشتري ما يحتاجه ، وإذا كانت الدولة قد أعلنت أن هدف السياسة النقدية هو تعظيم القوة الشرائية للدينار وتحسين مستوى المعيشة ، فإن معيار النجاح في النهاية ليس جمال العبارة بل مقدار ما يبقى في يد المواطن بعد أن يدفع ثمن حياته .
المسألة لم تعد مجرد أسعار ترتفع وأسواق تهدأ ثم تعود إلى الحركة ، بل صارت امتحاناً لجدوى السياسات الاقتصادية كلها ، هل يستطيع المواطن أن يعيش بكرامة أم سيبقى الاقتصاد يطلب منه المزيد بينما جيبه يعلن الإفلاس ؟ فالأسواق لا تحتاج فقط إلى بضائع بل تحتاج إلى مواطن يستطيع شراءها ، وإلى دولة تستطيع أن ترى ما يحدث قبل أن يتحول الركود إلى عادة والفقر إلى قدر والانتظار إلى ثقافة .
الأن لن يكون السؤال من الذي أفرغ جيب المواطن فقط ، بل من الذي ترك السوق فارغاً من قدرته على الحياة ؟ وربما آن لأصحاب القرار أن يكتشفوا أن المواطن ليس بنداً في الموازنة بل هو الموازنة نفسها .




