حين سقط صدام… هل سقطت شبكات صدام؟!
علي جاسب الموسوي ||
٢٠٢٦/٩/٢٠

من أخطر الأخطاء في قراءة الأنظمة الديكتاتورية الاعتقاد أن سقوط رأس النظام يعني انتهاء منظومته … فالأجهزة السرية لا تعمل بمنطق المعركة القصيرة .. بل بمنطق الاختراق طويل الأمد .. تزرع المعلومة وتبني الغطاء وتراقب وتنتظر حتى تتغير البيئة السياسية.
وخلال سنوات الحرب والمعارضة كان نظام صدام المقبور يمتلك أجهزة استخبارات تتابع خصومه في الخارج وتراقب نشاطاتهم وشبكاتهم واتصالاتهم .. وهذه حقيقة موثقة في أرشيفات ودراسات استخباراتية .. لكن السؤال الأكثر حساسية يبدأ من هنا: ماذا يحدث عندما تنجح شبكة اختراق في البقاء حتى بعد سقوط النظام الذي أنشأها؟
العمل الاستخباراتي المحترف لا يحتاج دائما إلى رجل يرفع شعار النظام داخل خصمه .. أحيانا يكون الغطاء العميق هو أن يصبح الشخص جزءا طبيعيا من البيئة المستهدفة: يعيش مع أفرادها ويشاركهم محنتهم ويظهر في صفوفهم وربما يتعرض للسجن أو الملاحقة حتى يصبح الشك فيه شبه مستحيل.
وهنا تظهر فكرة الاختراق الناعم.
ليس المطلوب دائما السيطرة على التنظيم .. يكفي أحيانا معرفة مساراته ومصادره وشخصياته ونقاط قوته وضعفه … ومع مرور الزمن قد تتحول المعلومة إلى نفوذ، والنفوذ إلى موقع، والموقع إلى قدرة على التأثير في القرار.
بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية وأمنية مختلفة … لكن سقوط السلطة لا يعني بالضرورة اختفاء كل الشبكات البشرية التي صنعتها أجهزتها … فالشبكات السرية بطبيعتها تبحث عن الاستمرارية وتتكيف مع البيئة الجديدة.
ولهذا فإن السؤال الأمني الحقيقي ليس: من كان بعثيا ومن لم يكن؟ بل: من كان موجودا؟ أين كان؟ من كان يتصل به؟ ما المعلومات التي كان يصل إليها؟ وكيف انتقل من موقع إلى آخر بعد سقوط النظام؟
لا يجوز تحويل هذه الأسئلة إلى اتهامات جماعية … كما لا يجوز تحويل التاريخ النضالي إلى صك براءة أبدي.
فالأسير ليس فوق التدقيق .. والمهاجر ليس فوق التدقيق .. والمقاتل ليس فوق التدقيق .. وصاحب التاريخ المعروف ليس فوق التدقيق.
الدولة والكيان الذكي لا يطارد الشائعات ولا تثق بالوجوه.
الدولة الذكية تدقق في المسارات.
فالنظام قد يسقط في يوم واحد … أما شبكاته فقد تحتاج إلى عقود حتى تُكتشف.
https://t.me/alichasib4




