تجار الكلام: صانعو الخراب الحلقة الخامسة: شهوة الكرسي وتكريس القمع..!
رياض الفرطوسي ||

في المجتمعات التي نجحت في بناء دول حديثة، تُفهم السلطة بوصفها “فاعلية إدارية”؛ أي القدرة على تقديم الخدمات، وتنظيم حياة الناس، وبناء الاقتصاد، وحماية الأمن. الكرسي هناك موقع للمسؤولية والمحاسبة اليومية.
أما في الثقافة السياسية السائدة في مجتمعاتنا، فقد اقترن مفهوم السلطة بـ “الهيمنة”؛ أي السيطرة المطلقة، وفرض الطاعة، واحتكار الامتيازات. الكرسي لدينا غاية بذاتها، والمسؤول يرى نفسه سيداً لا مكلفاً ب خدمة.
هذا الانحراف المفهومي يفسر لماذا يتحول المعارض، بمجرد وصوله إلى السلطة في العراق أو غيره، إلى ممارس لنفس أساليب الإقصاء والتهميش التي كان يصرخ ضدها في السابق.
جذور التقديس والتسلط
عبر التاريخ السياسي، أُحيط الحكام بألقاب وشعارات تسبغ عليهم التقديس؛ مثل “الحاكم بأمر الله” أو “ظل الله في الأرض”. وهي ألقاب ومفاهيم وافدة اقتُبست من البروتوكولات الإمبراطورية القديمة لتلغي الفكرة المدنية التشاركية القائمة على العقد والمسؤولية.
حين لخص أردشير، حاكم الساسانيين، رؤيته بقوله: “الملك والدين توأمان”، تسربت هذه الرؤية لتصوغ أسلوب الحكم؛ حيث يتحول الحاكم من موظف يخضع للمحاسبة والأمانة إلى صاحب سلطة مطلقة، فتتوقف الفاعلية التنموية وتحل محلها المحسوبية وشبكات التملق.
كيف تعيد الأسرة والمدرسة إنتاج الاستبداد؟
إن الاستبداد السياسي ليس سوى القمة النافرة من الهرم؛ أما القواعد فتبدأ من التنشئة اليومية:
في الأسرة: تتأسس العلاقات على السلطة العمودية المطلقة. عبارات القمع الحاسم مثل “اسكت” تمنع الحوار والإقناع. والطفل الذي ينشأ على أن القوة هي الأداة الوحيدة لإدارة الخلاف، يكرر السلوك ذاته حين يكبر؛ فيتمرد على السلطة ليحل محلها ويمارس القهر ذاته.
في المدرسة: يتحول التعليم إلى نظام للتلقين والترهيب. شاعت عبارات مثل “الأستاذ له اللحم ولكم العظم” لتكرس القبول بالعقاب وإيقاع الألم. يتشرب الطالب أن الطاعة السلبية هي سبيل النجاة، وأن العلاقة بين القوي والضعيف هي علاقة جلاّد بضحية.
لن ينصلح حال السياسة والجمهوريات ما لم تتغير بنية التربية والتعليم، وننتقل من تنشئة الأجيال على الخنوع إلى غرس قيم الفاعلية، والمواطنة، والمشاركة الفعالة.
في الحلقة القادمة والأخيرة، سنستكمل كشف الجذور التاريخية والمفهومية للثقافة السياسية، ونوضح كيف تسربت مفاهيم الحكم المطلق وتقديس الحاكم لتصنع أزماتنا المعاصرة.




