الاثنين - 21 سبتمبر 2026

التوكل على واشنطن.. التدين الانتهازي وافراغ الخطاب من مضمونه..!

منذ يوم واحد
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

محمد علي اللوزي ||

 

 

يعولون على ترامب ان يسجل لهم انتصارا ولو واحدا، ولو جاء على حساب اليمن والمنطقة واستقرارها، والادهى من ذلك ان اصحاب الفتوى والتبرير يكبرون ويهللون لمجرد ان ترامب قطع اجازته في كامب ديفيد، او اعلن انه يعكف على دراسة خياراته، فيتلقفون كل اشارة من البيت الابيض باعتبارها بشارة نصر، وكل تحرك عسكري او سياسي باعتباره موعدا للخلاص. هكذا تحولت السياسة عند هذه القوى الى حالة انتظار مرضية، وتحول ترامب في مخيلتها من رئيس دولة اجنبية الى منقذ مرتقب، ومن صاحب قرار سياسي الى صاحب ولاية على مصيرها ومستقبلها.

السعودية وما لحقها من اذناب وقوى سياسية ودينية تبدووكأنها معلقة بحبل ترامب، تنتظر منه ان يفعل ما عجزت هي عن فعله، وتترقب قرارا امريكيا يخلصها من المأزق الذي وجدت نفسها فيه. المفارقة ان بعص هذه القوى تعيش حالة انتظار مريرة لقرار قد يتخذه البيت الابيض، وكأن مستقبلها لا يصنعه موقف وطني ولا مشروع سياسي ولا مراجعة جادة، وانما تصنعه تغريدةاو مكالمة او اجتماع في واشنطن.والحديث هنا بصورة خاصة عن قوى التدين المأزومة التي نسيت التمسك بحبل الله، وذهبت تستنجد بحبال البيت الابيض، وتنتظر من ترامب ان يعيد اليها تكوينها السياسي والروحي وكرامتها التي فقدتها ، بعدما فقدت القدرة على بناء حضورها من داخل مجتمعاتها. قوى تتحدث كثيرا عن الدين والاخلاق والهوية والمقدسات، لكنها حين تضيق بها السبل لا تتجه الى شعوبها ولا الى الحوار ولا الى السلام، بل تتجه ببصرها الى واشنطن، وتجلس في حالة خشوع سياسي امام البيت الابيض، مترقبة ما سيصدر عنه من قرارات تمنحها راحة قلب ولو برهة من الزمن.

امر هذه القوى غريب فعلا، تتحدث عن الله من موقع ترامب، وتتحدث عن حماية المقدسات في مكة والمدينة، بينما تتوالى ابتهالاتها السياسية نحو البيت الابييض، وكأن حماية المقدسات لا تكون الا عبر قوة اجنبية، وكأن القرار العربي والاسلامي لا قيمة له ما لم يحملختم واشنطن. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.. خطاب ديني يرفع راية التوكل على الله، وممارسة سياسية تقوم على انتظار الخارج واستجدائه والتعلق بقراراته.

ديدن هذه القوى، ، الجمع بين الثوب القصير وشعارات التدين من جهة، واستجداء التخالفات الخارجية من جهة اخرى، من دون ان تنجح في تحقيق هذا ولا ذاك. لا هي استطاعت ان تكون قوة مستقلة ذات مشروع، ولا هي تمكنت من صناعة سلام حقيقي، ولا هي استطاعت ان تقنع الناس بان ارتهانها للخارج يمكن ان ينتج استقلالا او كرامة او قرارا وطنيا.وكلما ضاقت بها الخيارات رفعت عينيها نحو البيت الابيض، تنتظر تدخلا جديدا، او ضربة جديدة، او موقفا جديدا يعيد ترتيب اوراقها مسكينة هذه القوى المتأسلمة تعيش اخفاقات الوقت والانتظار وترقب بن سىلمان الذي قد يستشيط غضبا ويلقي باللائمة عليها وبكثير من المن والأذى إن أصابه احباط نرامب.

والسؤال.. ماذا جنت هذه القوى من هذا الارتهان؟ وماذا حققت من استدعاء الخارج؟ ولم تدرك ان الاستقواء بالقوى الدولية لا يصنع سلاما حقيقيا في اليمن والعكس قد يطيل من أمد الصراع الصراع، وعمق الانقسام، وربط مصائر قوى سياسية ودينية بحسابات عواصم لا تتحرك الا وفقا لمصالحها. ان المأساة لا تكمن فقط ان السعودية تتمسك بتلابيب ترامب، بل في ان بعض الملاحق الدينية والسياشية تتمسك بتلابيب ابن سلمان، ثم تتجه معا الى واشنطن طلبا للحماية والنصر والحسم. فاذا كان البيت الابيض هو الكعبة ، واذا كانت واشنطن هي القبلة التي تتجه اليها الابتهالات، واذا كان القرار الامريكي هو الذي يحدد لحظة الفرح ولحظة الخوف، فماذا بقي من الحديث عن الاستقلال والسيادة والقرار الوطني؟إن الاكثر اثارة للسخرية هو هذه القوى التي قد ترفع شعارات مواجهة النفوذ الايراني او الدفاع عن السيادة، بينما لا ترى حرجا في تعليق مستقبلها على قرار امريكي، ولا في انتظار التدخل العسكري الاجنبي لتعيير موازين الداخل.

وهنا يظهر التناقض صارخا بين الخطاب والممارسة. خطاب ديني وسيادي في العلن، وارتهان سياسي للخارج في الواقع.

اما السعودية، وهي التي يفترض انها دولة ذات امكانات وقدرات ومؤسسات وقرار يعبر عن ثقل دولة لها نفوذها وقوتها، فتجد نفسها في لحظات الازمات تبحث عن المظلة الامريكية، بينما تجد القوى المرتبطة بها نفسها اكثر تعلقا بهذه المظلة. ومن هنا يصبح المشهد اقرب الى سلسلة من الارتهانات كل يتشبث بمن فوقه السعودية تتعلق بترامب، وتلك القوى تتعلق بالسعودية، والجميع ينتظر من الخارج ان يحسم ما عجزوا عن حسمه بعدوانهم الارعن.

لكن التجارب السياسية لا تصنع خلاصا دائما لمن يضع مصيره في يد غيره. فالخارج لا يتحرك بدافع الصداقة ولا بدافع العقيدة ولا بدافع حماية احد، وانما وفقا لحساباته ومصالحه. وما يراه طرفما فرصة للنجاة قد يراه الطرف الاخر ورقة تفاوض، وما يعتقده البعض قرارا حاسما قد يكون مجرد اداة للضغط والمساومة.ولهذا فان حالة الترقب التي تعيشها هذه القوى تكشف قبل كل شيء حجم الازمة التي وصلت اليها. انها تنتظر قرارا من خارج الحدود كي تشعر بالوجود، وتنتظر تدخلا خارجيا كي تستعيد المبادرة، وتنتظر حربا جديدة كي تعيد انتاج موقعها. وهذه ليست حالة قوة سياسية، بل حالة افلاس حقيقي في القدرة على انتاج البدائل ونتيجة لفقدان الثقة بالله والإدعاء انها متمسكة به حالات غريبة من التناقضات والعلاقات الغير طبيعية .

ان السلام الحقيقي لا يصنعه انتظار الضربة الامريكية، ولا تصنعه الابتهالات في اروقة البيت الابيض، ولا يصنعه الارتهان لعاصمة اجنبية. السلام يصنعه الاعتراف بالواقع، والجلوس الى طاولة الحوار، والتخليعن اوهام الحسم بالقوة، واحترام ارادة اليمنيين وحقهم في تقرير مستقبلهم بعيداعن الوصاية الخارجية.اما ان تبقى هذه القوى معلقة بين الرياض وواشنطن، تنتظر من هنا وعدا ومن هناك ضربة، وتقدم ذلك كله للناس بوصفه مشروعا دينيا او وطنيا، فذلك هو جوهر المأساة والخذلان ولبقاء في حالة الهذيات المرضي. لقد صار السؤال عندها ليس ماذا يريد اليمنيون، ولا كيف يتوقف النزيف، ولا كيف يبنى السلام، بل ماذا سيفعل ترامب؟ ومتى سيتحرك؟ وماذا ستقرر واشنطن؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. قوى تزعم انها تستمد مشروعها من الدين، لكنها باتت تنتظر اشارة من البيت الابيض.. وقوى تتحدث عن المقدسات، لكنها تجعل خلاصها السياسي مرهونا بعواصم اجنبية.. وقوى ترفع راية السيادة، لكنها لا ترى طريقا الى السلطة الا عبر الخارج. انها حالة بائسة من الترجي والاستغاثة السياسية والتدين الانتهازي الصعتري، الذي تكشف الى اي حد يمكن للارتهان ان يفرغ الخطاب من مضمونه، ويحول اصحابه من اصحاب مشروع الى مجرد منتظرين على ابواب القرار الخارجي.

فلا ترامب جاء بالخلاص، ولا الارتهان انتج كرامة، ولا الاستقواء بالخارج صنع سلاما. وما لم تدرك هذه القوى ان الشعوب لا تبني مستقبلها بالاستجداء، وان السلام لا يأتي من غرف القرار الاجنبي، وان الدين لا يكون جسرا للارتهان السياسي، فستظل تدور في الحلقة ذاتها:

تنتظر، وتستبشر، وتهلل، ثم تكتشف في كل مرة ان القرار ليس قرارها، وان مصيرها ما زال معلقا بيد من تتوسل اليه ويتندر عليها ويلعب معها شد الحبل ولربما يشنقها نعم يشنقها او تسيخ في الارض لاوطن ولادين ولاأمل كله تبدد بفعل استخذائها لمن يعيد لها كيانها فيما هي توقع فقط على كشوفات الاعاشة التي قد يقرر التعيس بن سلمان قطعها بقكع آخر انفاسه .