الأحد - 20 سبتمبر 2026

بعد هزيمة الجيش السعودي أمام الحوثيين ..مسار الجيوش الحائرة..!

منذ 55 دقيقة
الأحد - 20 سبتمبر 2026

علي عنبر السعدي ||

 

 

من (البطولة ) الموهومة – الى البطالة المعلومة ..الجزء،١

– يبدأ زوال الملك بالسؤال :مافائدة الملوك .
– ما هو أول انقلاب عسكري في التاريخ ؟
– لم يعد هناك ملوك الحق الالهي – ولا جيوش للدفاع عن الملوك – الا عند العرب .
الجيوش كما يقدّمها تاريخ الأمم ، إنما أنشئت أساساً للقيام بمهمتين رئيستين : الدفاع عن (الدولة ) ضد غزاة محتملين ، أو القيام بالغزو لتوسيع النفوذ والسيطرة على أرض جديدة ، ذلك لأن الدولة في تلك الحقب الزمنية ، كانت مفهوماً غامضاً لا تجسيد له سوى قدرته على السيطرة ، وبالتالي فالحدود السياسية لأيما دولة ، إنما تفرضها قوتها العسكرية وحيث تصل أقدام جنودها ، فيما يُختلف على تسميت ماحصل ، فتوحات أو غزوات أو نشر للدين – الخ .
في الحروب وحدها ، كان يتجلى معنى البطولة في الملوك والقادة ،فيما تطلق الشجاعة على المحاربين مادون مرتبة القائد ، فمن قهر البلدان وفتح المدن ، هو الأكثر استجلاباً لصفحات التاريخ ، يليه من دافع عن بلاده بجدارة ومنع سقوطها بيد الغزاة .
لم يكن معنى الحدود السياسي وارداً أو معترفاً به ، الا في حالات نادرة كأن يحصل فيها ضمن اتفاقيات ثنائية بين دول متجاورة في الغالب ، لتبقى بنود الاتفاق فاعلة بمقدار استمرار موازين القوى بين الطرفين، وبالتالي عدم اختلالها لصالح طرف بعينه ، ما يغريه بنقض الاتفاق ومحاولة التوسع على حساب الآخر .
الاتفاقات المذكورة ان حصلت ، غالباً ماتكون أقرب الى هدنة مؤقتة ترتبط بالملك أو الحاكم الذي وقعّها ، إذ لم تكن الدولة آنذاك ، تمثل كياناً اعتبارياً ملزماً باتفاقاته ، وليس هناك من جهات أخرى يمكنها ضمان التقيد بذلك الاتفاق .
تغير الحال بعد الحرب العالمية الأولى ، إذ أدركت دول العالم الكبرى ، ضرورة ان توكل الى هيئة دولية ، مهمة الحكم في النزاعات بين الدول ، خاصة بعد ان عرف العالم قيام العديد من الكيانات المتحررة حديثاً من السيطرة العثمانية ، ومن ثم تحولت الى كيانات ذات حدود جغرافية وسياسية توالى الاعتراف بها ،وهكذا انبثقت هيئة دولية عرفت بإسم ( عصبة الأمم المتحدة) برعاية الدول الكبرى – خاصة المنتصرة في تلك الحرب -.
كانت الجيوش الحديثة في نشأتها ، امتداداً لما خلفّه الأباطرة والملوك ، من الصين واليابان والهند شرقاً، حتى روسيا واوربا الشرقية والغربية شمالاً ، مروراً بإيران وتركيا وسطاً .
اتخذت الجيوش في تلك البلدان عقائد عسكرية ومذاهب قتالية شتى ، وعلى رغم اختلاف الوظائف المحددة لكل منها ، الا انها التقت جميعها في مهمة واحدة : حماية الدولة ، ذلك ما ألقي على عاتق الجيوش حينذاك .
لكن الاستثناء في ماهية الدولة وتعريفها ، ظل قائماً ، فبين السلطة (الحاكمة ) التي ابتلعت الدولة بمقوماتها الثلاثة(أرض – شعب – حكومة ) كما في الأنظمة الشمولية التي نشأت في أوروبا الشرقية وروسيا والمنطقة العربية قبيل الحرب العالمية الثانية ، ومن ثم تبلورت ملامحها في أعقاب نتائج تلك الحرب ، وبين السلطة ( الخادمة) التي أفزرتها دولة الرفاه والعقد الاجتماعي ، كان هناك بون شاسع في تفصيلات مهمة الجيوش في كلا الجانبين .
نهاية الحرب الثانية ، أنهت بدورها حقبة الاستعمار ، إذ خرجت الدول الاستعمارية القديمة منهكة في قواتها العسكرية ومصادر قوتها السياسية والاقتصادية ، وبالتالي تخلصت الكيانات الناشئة بين حربين ، من النفوذ الاستعماري المباشر ، فيما تسارعت وتيرة تحرر الكيانات الأخرى ودخولها الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي أنشئت بديلاً لعصبة الأمم .
في تلك الأزمنة ( الحائرة ) سياسياً والقلقة عسكرياً ،توزعت المهمات المناطة بالجيوش ، بين حماية الدولة ككيان ومساحة جغرافية وشعب ، وبين حماية النظام الحاكم ، لتتمحور تدريجياً ومع تراجع التهديد الخارجي ، الى دور رئيس كأداة قمعية بيد الأنظمة الحاكمة ، إذ لم يعد للجيوش من وظيفة أخرى سواها.
الا ان الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ ، فمادام الملك( أو الرئيس ) هو القائد الأعلى للجيش في النظم الاستبدادية عموماً ، وبالتالي فمن أولى صفاته وأهمها أن يبرع في قيادة جيوشه نحو النصر – خاصة في المعارك الحاسمة – أو ان يجير النصر لصالحه وإن بقي في قصره وبين حاشيته ، في وقت يكون فيه القادة البارعون ، هم من يقود الجيوش المنتصرة أو يتحملون تبعات هزيمتها.
تلك الحيثية ، قد تكون واحدة من الأسباب التي نشأت على إثرها عقلية التآمر أو الانقلاب ، إذ تقدم مدونات التاريخ الكثير من الشواهد على أن الجزء الأكبر من حالات الإطاحة بالملوك والحكّام ، إنما تمت في الأغلب على أيدي قادة عسكريين أو بالتعاون معهم ،حيث لايمكن تصور إزاحة حاكم خارج رغبة العسكر أو رغم إرادتهم.
وعلى ذلك ، عومل القادة العسكريون معاملة مزدوجة ، فمن جانب كانوا يحظون بامتيازات عالية ومميزة من أجل كسبهم وإرضائهم ، فيما يبقى الحذر منهم قائماً في كلّ حين ، خاصة إذا ارتفعت أسهمهم مع ازدياد شهرتهم وقدرتهم على تحقيق الانتصارات .
أما عن أول انقلاب عرفته البشرية ، فقد تتباين حوله الآراء ، إذ يمكن اعتبار ماقام به القائد السومري لوكال زاكيري ، بإطاحة ملك لكش أوروكاجينا في حدود منتصف الألف الثالث ق.م ، ووحّد من ثم مدينتي أوما ولكش ، هو الانقلاب الأول ،لكن ذلك قد يحسب غزواً وليس انقلاباً ، مايدعو للاختلاف حول أحقّيته في قصب السبق الانقلابي .
اما الانقلاب الأول مكتمل المعالم حسب ماعرفت به الإنقلابات لاحقاً ، فهو الذي قاده الملك الأكدي سرجون(2371- 2316 ق.م ) ضد ملك مدينة كيش (أور – زبابا) وكان حامل كأسه والمقرّب منه .
يعتبر سرجون من أبرز القادة العسكريين عبر التاريخ البشري برمتّه ، وقد امتلأت سيرته بأخبار قدراته العسكرية و تعداد المعارك التي انتصر فيها وما فتح من المدن وقهر من الملوك (1) أما أهمّ ثلاثة ملوك عرفهم تاريخ الأمم ، فكانوا على التوالي زمنياً : يوليوس قيصر- كسرى نو شيروان – هرون الرشيد ، وقد صنفوا كذلك نظراً لأن أممهم في عهود حكمهم ، كانت قد بلغت قمّة عظمتها ومجدها العسكري والحضاري – وتوسعها الجغرافي كذلك – .
توالت الأزمنة كما توالت الانقلابات العسكرية – الفاشلة أو الناجحة – حتى أواخر القرن العشرين ، لتدخل الشعوب من ثم في عصر جديد أطلق عليه ( الانتفاضات الشعبية )
ظاهرة تشكيل الجيوش ،رافقت نشوء الدولة منذ البدء ، إذ لادولة دون جيش يمثل الوجه الأبرز لمعالم السيادة باعتباره القادر وحده على الدفاع عنها، لذا كانت وظيفة الجيوش هي الأكثر أهمية وحيوية في سلمّ الدولة مترافقة أو موازية في الغالب لوظيفة الملك أو الحاكم نفسه .
(1) إنظر : عبد الوهاب رشيد – حضارة وادي الرافدين – ص52
لكن ، ومع ظهور نمط آخر من الحكم يتمّ فيه تبادل السلطة سلمياً عبر صناديق الاقتراع ، ومع شيوع هذا النوع من الحكم (الديمقراطي ) بدأت الجيوش تفقد أهميتها تدريجياً ، تماماً كما الملوك الذين تحولوا في الكثير من الدول الديمقراطية ، الى مجرد رمز تراثي يذكر بالماضي دون استحضاره .
لقد أنشأت الديمقراطيات معادلة حيوية ، إذ انها تناسبت عكسياً مع اندلاع الحروب ( كلما تقدمت الديمقراطية – كلما تراجع احتمال الحرب ) ذلك ما يمكن تلمّسه بوضوح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، حيث لم تشهد تلك الحقب وقوع حرب بين الديمقراطيات الأوروبية أو بين دولتين تسود فيهما الديمقراطية ،ذلك لأن الشعوب إذا لم تقتحمها الآيديلويجات والتعصب ، لاتميل الى إشعال الحروب الا مضطرة ومدافعة في الغالب ، لأنها تدرك بأنها ستدفع أثمان الحروب في الحالتين : يذهب المجد الى حكّامها إن ا نتصرت ، وتحلّ بها الكوارث والعار عند الهزيمة ، وربما يقدم التاريخ الإغريقي مثالاً واضحاً حيث انتصرت عسكرياً اسبارطة الدكتاتورية ، على أثينا الديمقراطية ، فيما سجلت الأخيرة قصب السبق في ماتركته من المنجزات الحضارية لعلمائها وفلاسفتها ،حيث اعتبرت أثينا ( معلمة البشرية ) في هذا المضمار.
لاشك إن ميل الديمقراطية الى السلام كظاهرة عامة ، له أسباب وحيثيات منظورة في السلوك ومجسدة في القيمة والقرار، فالحاكم حالة متغيرة وفق رغبة الناس ، ولا وقت كبير أمامه للبحث عن بطولات دامية ، ذلك لأن نجاحه يعتمد على مقدار مايحقق في عهده من إنجازات وبناء ، وبالتالي تغير معنى البطولة تبعاً لميادينها .
لاشك إن ميل الديمقراطية الى السلام كظاهرة عامة ، له أسباب وحيثيات منظورة في السلوك ومجسدة في القيمة والقرار، فالحاكم حالة متغيرة وفق رغبة الناس ، ولا وقت كبير أمامه للبحث عن بطولات دامية ، ذلك لأن نجاحه يعتمد على مقدار مايحقق في عهده من إنجازات وبناء ، وبالتالي تغير معنى البطولة تبعاً لميادينها .
السلام هنا ، ضرورة تفرضها طبيعة العطاء المطلوب من الحاكم ، مقابل حروب طالما تسببت بهدر للثروات وتفريط بالأرواح وعرقلة للتقدم ، وهكذا خرجت عن حقّ إعلانها : من السلطة الحاكمة ، الى المجتمع الممثل بمن انتخبه ، نظراً لكون الحرب ليست مبارزة شخصية تخصّ فرد ، انما وقائع تلقي بمفاعيلها على المجتمع كلّه ، وبالتالي من حقّه أن يكون صاحب القول الفصل فيها.
ذلك ليس شرحاً ضمن سياق ، بل تحوّلاً جوهرياً لعب دوراً واضحاً في الحدّ من جعل قرار الحروب أكثر تعقيداً وتشابكاً في الدول الديمقراطية – بمافيها الكبرى – .
لقد بات مفهوم السيادة الوطنية ، عرضة لمداخلات واجتهادات ساهمت بدورها في غموض المهمة التي يمكن ان تقوم بها الجيوش في الكثير من الدول ، بعد ان تزايد اعتمادها على حماية الدول العظمى ( خاصة أمريكا وحلفاؤها ) التي أصبحت بمثابة حارس دولي يمتلك من القوّة مايؤهله التدخل في مناطق كثيرة من العالم قد تتعرض شعوبها لأخطار داخلية أو خارجية .
تلك مرحلة أولية لم تتضح أبعادها عند العرب ، إذ مازالت معظم أنظمتها تعمل وفقاً للسياقات القديمة ، وبالتالي مازال ملوكها وحكّامها وجيوشها استطراداً ، يحظون بمواقع متقدمة في بلدانهم ، رغم ان الجيوش في تلك الدول فقدت دورها واقعاً منذ عقود طويلة ، وقد تخلت عن حماية الأنظمة
لقد بدأت الدولة بملوك وجيوش ، وفيما يتراجع دور الكثير من الملوك الى مجرد فلكلور تراثي ، تسير الجيوش على الطريق ذاتها ، وليس من دون دلالة ان ( دولة) الفاتيكان الدينية ، قد وضعت حرّاساً يرتدون زيّاً من القرون الوسطى ويحملون رماحاً مذّهبة ، كناية عن رمزيتهم اللاحربية واستعراضهم الجمالي ، فيما تجنبت سويسرا بناء مؤسسة عسكرية ، متخذة موقف الحياد في كافة الحروب التي شهدتها أوروبا ، وبالتالي ف(جيشها ) بقي مجرد مظهر احتفالي وليس أداة للحرب ، وربما هي أول دولة في العصر الحديث ، أدركت أن مصير الجيوش سيصبح تاريخاً منقطعاً عن الحاضر،.