اليمن يغيّر معادلة الصراع.. حين يصبح الحصار حصاراً على من فرضه..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
لقد عانى اليمن، شعباً وأرضاً، سنوات طويلة من الحروب والحصار والتجويع والتدخلات الخارجية، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه ودمار بلاده، حتى ظن المعتدون أن بإمكانهم كسر إرادته وإخضاع شعبه.
وكانت السعودية في مقدمة من قادوا الحرب على اليمن، مستندة إلى تحالف عسكري واسع، ظناً منها أن التفوق في المال والسلاح كفيل بإخضاع الشعب اليمني وإنهاء مقاومته.
لكن الحسابات جاءت مختلفة تماماً.
فقد تصدى اليمنيون للعدوان، وانتقلوا من الدفاع عن أرضهم إلى استعادة مساحات واسعة ومواقع استراتيجية من الأراضي اليمنية، وتمكنوا خلال المواجهات من الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات التي تركتها القوات والجهات المدعومة من التحالف. وهكذا تحولت الحرب التي أُريد لها أن تكون وسيلة لإخضاع اليمن إلى عبءٍ ثقيل على من بدأها، وأصبح اليمن رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.
ثم جاء الموقف اليمني من فلسطين وغزة ليضيف بعداً آخر إلى هذه المواجهة؛ إذ أعلن اليمن وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني، وتحمل بسبب ذلك ضربات وتصعيداً عسكرياً من قوى إقليمية ودولية، وقدم تضحيات كبيرة دفاعاً عما يؤمن به.
ومع استمرار المواجهة تغيرت المعادلة، فلم يعد اليمن ساحة مفتوحة للضربات دون رد، بل أصبح قادراً على الوصول إلى مصالح حيوية لخصومه، حتى باتت الحسابات تجاهه أكثر تعقيداً.
لكن القوة العسكرية، على أهميتها، ليست وحدها سر ما وصل إليه اليمن.
إن سر قوة اليمن الحقيقي هو اعتماده على الله.
شعبٌ محاصر، محدود الإمكانات، لكنه امتلك إيماناً عميقاً بأن النصر لا يصنعه المال وحده، ولا كثرة السلاح، وإنما يصنعه الثبات حين تشتد المحن، والتوكل على الله حين تنقطع الأسباب.
لقد حاولوا إخضاع اليمن بالحرب والحصار، فإذا بالشعب اليمني يزداد صلابة. وحاولوا كسر إرادته، فإذا به يطور قدراته ويفرض حضوره. وأرادوا أن يكون الحصار وسيلة لإجباره على الاستسلام، فإذا باليمن يطرح معادلة جديدة:
لا حصار بلا ثمن، ولا عدوان بلا رد.
أما ما يُروَّج من اتهام اليمن باستهداف مكة المكرمة وبيت الله الحرام، فهو ادعاء لايمكن تصديقه، ولا ينسجم مع حقيقة الموقف اليمني المدافع عن مقدسات الأمة وقضاياها، وفي مقدمتها فلسطين والقدس. ويبدو أن إطلاق مثل هذه الادعاءات يأتي في ظل ما تتعرض له السعودية من ضغط عسكري وسياسي، وما أصابها من ارتباك أمام تطورات المواجهة، في محاولة لتأليب المسلمين وإيجاد مخرج من حالة الضغط التي تواجهها.
لكن مثل هذه المحاولات لا تنطلي على أبناء الأمة، فمكة والمدينة مقدسات المسلمين جميعاً، واليمنيون يعرفون حرمتهما ومكانتهما. ولعل المفارقة أن يُتهم أهل اليمن باستهداف مقدسات الأمة، بينما يتناسى مطلقو هذه الدعاية قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية».
فاليمن الذي يعلن وقوفه إلى جانب فلسطين ومقدسات الأمة، ويتحمل في سبيل ذلك الحرب والحصار والتضحيات، ينبغي أن تُقرأ مواقفه من خلال أفعاله ومواقفه المعلنة، لا من خلال اتهامات تُطلق في لحظات التصعيد.
إن تجربة اليمن تؤكد أن الشعوب لا تُهزم ما دامت تمتلك الإيمان والإرادة، وأن من يتوكل على الله ويثبت في طريقه يستطيع أن يحوّل المحنة إلى قوة، والحصار إلى صمود، والضعف المادي إلى اقتدار.
قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). (سورة التوبة: 111).
وهكذا يبقى الدرس الأبرز من تجربة اليمن: حين يكون التوكل على الله صادقاً، والثبات حقيقياً، والتضحية حاضرة، فإن الأمة تستطيع أن تقف في وجه أقسى التحديات، وأن تغيّر معادلات ظنّ الآخرون أنها ثابتة لا تتغير.




