العراقي… استقرار أمني وإرهاق معيشي..!
د. طالب الشوكة ||

يعيش المواطن العراقي اليوم مفارقة واضحة؛ فمن جهة هناك استقرار أمني هو الأفضل منذ سنوات، ومن جهة أخرى تتزايد الضغوط المعيشية والاقتصادية التي تجعل الحياة اليومية بالنسبة إلى كثير من العائلات أشبه بإدارة أزمة مستمرة.
المواطن العراقي عاش حروباً وصراعات متتالية منذ السبعينيات وحرب الشمال وثمانينيات القرن الماضي، مروراً بحرب الخليج والحصار الاقتصادي، ثم الغزو عام 2003، واحتلال داعش والحروب ضد الإرهاب. وبعد كل هذه السنوات، أصبح المواطن بحاجة إلى استراحة يلتقط فيها أنفاسه، بعيداً عن الخوف والقلق والتوتر، وأن يعيش حياة طبيعية لا يكون فيها الأمن هاجسه الأول كل يوم.
لكن استمرار الأزمات ترك آثاراً نفسية واجتماعية واضحة على المجتمع. فسنوات القلق والإرهاق جعلت المواطن أكثر حساسية تجاه الأخبار السياسية والأمنية، وأي توتر إقليمي جديد ينعكس سريعاً على سلوكه اليومي. ومع ضبابية المشهد، قد يتجه البعض إلى تخزين السلع الغذائية الأساسية خوفاً من ارتفاع الأسعار أو حدوث أزمة في الأسواق.
ولا تقف آثار هذه الأزمات عند حدود القلق، بل تمتد إلى الأسرة والعمل والعلاقات الاجتماعية. فالمواطن يعيش تحت ضغط متطلبات البيت والعائلة والفواتير والأسعار والخدمات، وهو ما يضاعف الإحساس بالإرهاق النفسي والعصبية والقلق من المستقبل.
وفي المقابل، تبرز مشكلة اقتصادية لا تقل أهمية عن الملف الأمني. فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ولذلك فإن أي تذبذب في أسعار النفط العالمية يثير القلق بشأن الإيرادات والسيولة والإنفاق العام، فيما تبقى ملفات البطالة والتوظيف والخدمات والكهرباء والمياه من الأزمات التي لم تجد حلولاً نهائية.
وتظهر الضغوط بشكل أوضح في السوق المحلية. ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية أصبح عبئاً مباشراً على الأسرة، خصوصاً الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل. فالراتب محدود، بينما تتحرك الأسعار بصورة أسرع من قدرة المواطن على مواكبتها، ويستغل بعض التجار أحياناً أي اضطراب أمني أو اقتصادي لرفع الأسعار، حتى لو كان التوتر بعيداً عن العراق.
ويبقى المواطن هو من يدفع الثمن في النهاية؛ الأرملة والمطلقة وصاحب البسطة والموظف والعامل وأصحاب الدخل المحدود. وهؤلاء لا يملكون رفاهية الانتظار حتى تتحسن الظروف، لأن الغذاء والدواء والكهرباء والمواصلات وإيجار البيت احتياجات يومية لا يمكن تأجيلها.
كما أن ارتفاع الدولار في السوق الموازية أحدث فجوة سعرية تنعكس بصورة مباشرة على أسعار الكثير من السلع المستوردة. ومع ارتفاع كلفة الاستيراد، تتراجع القدرة الشرائية للمواطن، ويصبح راتبه قادراً على شراء كمية أقل من السلع والخدمات التي كان يستطيع شراءها سابقاً.
ولا تقتصر المشكلة على الأسعار، فهناك أيضاً تراجع في السيولة النقدية وحركة السوق، الأمر الذي ينعكس على النشاط التجاري والتزامات المواطنين وأصحاب المشاريع الصغيرة. وفي ظل هذه الظروف، أصبح كثير من العراقيين يعيدون ترتيب ميزانياتهم اليومية وفق الأولويات الضرورية. الغذاء، العلاج، الإيجار، الكهرباء وأجور المولدات.
أما الإنفاق غير الضروري، مثل السفر وشراء الأجهزة أو البدء بمشاريع البناء، فأصبح بالنسبة إلى الكثير من العائلات مؤجلاً إلى إشعار آخر.
ورغم ذلك كله، يبقى المواطن العراقي متمتعاً بمرونة عالية في التكيف مع الأزمات، وهي صفة أثبتتها العقود الماضية. لكنه يدفع ثمناً لهذا التكيف من راحته ومدخراته ومستقبله، ويجد نفسه مضطراً إلى تقليل احتياجاته بدلاً من أن تتحسن ظروفه.
إن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل. هو يريد دولة توفر له الأمن، وسوقاً منضبطة، وخدمات مقبولة، وفرصة عمل، وراتباً يحفظ له كرامته، ومستقبلاً لا يكون مجهولاً.
فالاستقرار الأمني مهم، لكنه لا يكتمل ما لم يشعر المواطن أن هذا الاستقرار انعكس على حياته اليومية. والاستقرار الحقيقي لا يقاس فقط بانخفاض العنف، وإنما أيضاً بقدرة الأسرة العراقية على شراء غذائها، ودفع إيجارها، والحصول على علاجها، وتعليم أبنائها، والعيش بعيداً عن الخوف من الغد.
وبعد كما يقول فاضل جتي ابو عباس بكيف الله..!




