عتبة الفجيعة..!
رياض الفرطوسي ||

كانت هناك عتبة. عتبةٌ واحدة، من طينٍ وحجر، شهدت على قدمين تقفان عليها كل صباح، وعينين تحدّقان في آخر الشارع لعلّ ظلاً يلوح من بعيد. لم تكن تلك المرأة تنتظر معجزة، فالمعجزات كانت قد ماتت منذ زمن طويل في هذه البلاد، لكنها كانت تنتظر شيئاً أعمق من المعجزة: أن يبقى الأمل حياً، ولو كذبةً صغيرة تتشبث بها كل ليلة قبل أن تُطفئ المصباح.
مرّت السنون كأنها قرون. عام، ثم عشرة، ثم عشرون. الشعر الأسود صار رماديّاً، ثم أبيض كالكفن الذي لم يُخط بعد. وهي على العتبة، لم تغادرها إلا لتعود إليها، وكأن جسدها نفسه صار جزءاً من ذلك الحجر البارد، عموداً من عمود الانتظار العراقي الطويل. كانت الجارات يمررن، يهمسن بالشفقة أحياناً، وبالخوف أحياناً أخرى، لأن سؤال “هل عاد ابنك؟” كان في تلك الأيام أشبه بلغمٍ يُفجّر البيوت من الداخل. فالسؤال عن الغائب كان جريمة بحد ذاته، والحزن العلني على المعتقل كان يُقرأ كاعترافٍ بالذنب.
لم يكن ابنها الوحيد الذي ابتلعته الزنازين. كان معه جيلٌ كامل، شبابٌ لم يبلغوا العشرين حين اقتيدوا في شاحناتٍ مغلقة، تلاميذ مدارس ما زالت محابرهم في جيوبهم، وموظفون بسطاء لم يعرفوا من “السياسة” إلا اسمها. غابوا فجأة، كأن الأرض ابتلعتهم حقاً، لتتحول الأرض من رحمٍ يُنبت السنابل إلى فمٍ مفتوحٍ يبتلع الأبناء دون أن يَشبع أبداً. وحين حاول بعض الأهالي السؤال في دوائر الأمن، كانت الإجابة الوحيدة صمتاً موحشاً، أو ورقة رسمية باردة تقول: “مفقود”، وكأن إنساناً كاملاً بذكرياته وضحكته وحلمه يمكن اختصاره في كلمة واحدة جافة.
هكذا وُلدت “الأمهات الواقفات”، ذلك الجيل من النساء اللواتي حملن العراق كله على أكتافهن الهزيلة، بلا زوجٍ يعينهن أحياناً لأنه هو الآخر اختفى، وبلا دولةٍ تُصغي، وبلا قبرٍ يزرن. كنّ يطبخن الطعام كل ظهيرة “احتياطاً”، لعله يعود جائعاً. كنّ يشترين له ثياباً في الأعياد ويطوينها في الخزانة “حتى يرجع”. كان الانتظار طقساً يومياً، صلاةً بلا كلمات، توسلاً لزمنٍ أن يرحمهنّ ويعيد ما أخذ.
ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء ولم يتغيّر شيء في آنٍ معاً؛ يوم انكشفت الحفر. لم تكن حفراً عادية، بل كانت صفحات مطوية من كتاب الرعب الوطني، انفتحت فجأة تحت شمسٍ لم تكن تعرف بها. مئات الجماجم، آلاف العظام، أكياس بلاستيكية صفراء اهترأت لكنها حفظت الهوية الأخيرة لأصحابها: قميص، ساعة يد توقفت عند لحظة الإعدام، بطاقة هوية باهتة. وهناك، بين الحفارين والمنقبين وأهالٍ يبكون بصمتٍ مهيب، وقفت هي، الأم، لتبحث لا عن ابنها الحي بعد اليوم، بل عن بقيةٍ منه، عظمةٍ تحمل رائحته المتخيّلة، لتدفنه أخيراً بيدها، لا أن يبقى مدفوناً بيد جلاده.
وحين وجدته (أو ظنّت أنها وجدته، فالحمض النووي وحده كان يملك الحقيقة الآن ) لم تبكِ كما توقع الجميع. حملت العظام بين ذراعيها كما تحمل طفلاً وليداً، بحنانٍ غريب يخالطه غضبٌ عتيق، وكأنها تقول له: “أنا آسفة أنني تأخرت في العثور عليك، لكنني لم أتوقف أبداً عن البحث.” تلك اللحظة، لحظة العناق الأخير بين أمٍّ وعظام ابنها، هي اللحظة التي يختصر فيها العراق كله مأساته: بلدٌ يحتضن رفات أبنائه لأنه عجز عن حمايتهم أحياء.
لم تكن هذه القصة فردية أبداً، فقد تكررت آلاف المرات في النجف وكربلاء والحلة والبصرة والسليمانية وحلبجة، حيث حُفرت خنادق الموت الجماعي على عجل، دون كفن، دون صلاة، دون حتى رحمة إغماض العينين. وكل حفرةٍ من تلك الحفر هي في الحقيقة وثيقةٌ لا تُدحض، شاهدةٌ صامتةٌ على أن الطغيان حين يُسقط قناع الشعارات، لا يترك خلفه سوى تراب مبللٍ بالدم وأمهاتٍ ينتظرن.
اليوم، حين تمر بجانب نصبٍ تذكاريٍّ لضحايا المقابر الجماعية في أي مدينة عراقية، توقف قليلاً، وتخيل تلك العتبة التي وقفت عليها أمٌّ لعشرين عاماً. تخيل يديها وهي تحتضن جمجمة ابنها بدل أن تحتضن كتفيه. تلك الصورة ليست ماضياً منتهياً نطويه بحياء، بل هي مرآةٌ يجب أن تبقى معلقة أمام كل جيلٍ قادم، لتُذكّره أن الوطن الحقيقي لا يُبنى على صمتٍ يبرر الجريمة، بل على ذاكرةٍ تأبى أن تُدفن مرتين.




