الجمعة - 18 سبتمبر 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

 

ليست الدول التي تنهار هي تلك التي تتضرر أقتصاداتها أو تتصدع بُناها التحتية وتتهدم مبانيها ، فكُل ذلك يُمكن إعادة بنائه متى توفرت الإرادة والموارد .
أما الانهيار الأخطر ، فهو الذي يبدأ من داخل الإنسان حين يتراجع أحترام القانون ، وتضعف قيمة العمل ، وتُختزل المكانة الاجتماعية في المال والنفوذ ، ويصبح الصمت عن الخطأ أكثر أمناً من مُواجهته ، ويتراجع الضمير أمام حسابات المصلحة .
والعراق ، بعد عقُود طويلة من الحروب والحصار والعنف والاضطرابات والأزمات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، يواجه اليوم تحدياً لا يقل خطورة عن أزماته الأخرى وهي “أهتزاز منظومة القيم الاجتماعية وتبدّل أنماط السلوك العام” وهي أزمة لا يُمكن قراءتها بمعزل عن الظروف التي مر بها المُجتمع ، ولا مُعالجتها بالوعظ وحده ، لأنها تمس الإنسان والأُسرة والمدرسة والمُؤسسة والدولة ، وتختبر قُدرة المُجتمع على الحفاظ على توازنه ، وإعادة إنتاج القيم التي تحفظ تماسكه وهويته .
لا يعني ذلك أن المُجتمع العراقي فقد قيمه بالكامل ، ولا أن الماضي كان مثالياً ، فهذه قراءة غير علمية للتاريخ ، لكن المُؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية تكشف عن ضغوط حقيقية أصابت الثقة والتماسك الأسري والمجتمعي ، فيما تُؤكد برامج الأمم المتحدة في العراق أن آثار الصراعات والنزوح ما زالت تُؤثر في العلاقات الاجتماعية والثقة بين المواطن ومُؤسسات الدولة ، ولو أجرينا أستطلاعاً نوعياً بين عشرة مُثقفين عراقيين من تخصصات “علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والإعلام والأدب” فمن المُرجح أن يلتقوا عند سؤال واحد وهو ، هل تغيّر العراقي ، أم أن الظروف غيّرت بعض سلوكياته .؟
الإجابة الأكثر أتزاناً أن الاثنين حدثا معاً .!

فالحروب الطويلة لا تقتل الإنسان جسدياً فقط ، إنها تُعيد تشكيل أولوياته النفسية ، والحصار والفُقر والبطالة يضغطان على الأسرة ، بينما يضعف التعليم والثقافة قُدرة المُجتمع على إنتاج المعنى والقدوة ، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2003 بما حملته من عنف وأنقسام سياسي وهوياتي ، وتبعها الإرهاب والنزوح ، ثم الانفتاح الرقمي الواسع الذي نقل العالم إلى الهاتف قبل أن يمتلك المُجتمع بالضرورة المناعة الثقافية اللازمة للتعامل معه .
وفي هذا السياق ، لم تعد المُشكلة في وسائل التواصل نفسها ، بل في البيئة التي تستقبلها ، فحين يتراجع دور الأسرة والمدرسة والمُؤسسة الثقافية ، يصبح الفضاء الرقمي بديلاً سريعاً لصناعة الذوق والسلوك ، ويصبح عدد المُتابعين أحياناً معياراً للمكانة ، بصرف النظر عن قيمة ما يُقدم ، والأخطر أن الفساد لا يسرق المال العام فقط ، بل يسرُق المعيار الأخلاقي .
فعندما يرى الشاب أن الوصول قد يكون أسرع عبر الواسطة والمحسوبية من الكفاءة ، وأن النفوذ قد يتقدم على القانون ، تتغير لديه مُعادلة النجاح .
وهنا تتحول المُشكلة من فساد إداري إلى فساد في منظومة القيم نفسها ، وقد ربطت برامج الأُمم المتحدة في العراق بين ضُعف الحوكمة والمُساءلة وبين الفساد وضُعف جودة الخدمات والثقة بالمُؤسسات .
أما ملف المخدرات ، فلم يعد قضية أمنية مُحضة ، فبيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تشير إلى أرتفاع عدد الأشخاص المُسجلين لدى الخدمات الصحية بسبب أضطرابات تعاطي المخدرات في العراق من 2,979 عام 2017 إلى 6,101 عام 2021 ، مع غياب مسح وطني شامل حتى تاريخ التقرير ، وهو ما يجعل الظاهرة بحاجة إلى مُقاربة صحية وأجتماعية وأمنية مُتكاملة .
لذلك ، فإن اختزال المشهد في «غزو ثقافي» أو «مُؤامرة خارجية» وحدها لا يكفي لتفسير ما يحدث .
نعم ، العراق تعرض وما زال يتعرض لتأثيرات إقليمية ودولية ، لكن السؤال الأهم هو لماذا أستطاعت هذه التأثيرات أن تجد بيئة قابلة للتأثير ، فهنا تبدأ مسؤولية الدولة .؟

الدول التي خرجت من الحروب والانهيارات والأزمات لم تستعد عافيتها بإعادة بناء الجدران فقط ، بل أعادت بناء المدرسة ، والأُسرة ، والمُؤسسة ، وسوق العمل ، والثقة بالقانون ، وأعادت الاعتبار للإنسان بأعتباره رأس المال الحقيقي للدولة .
والعراق يمتلك الموارد البشرية والمادية التي تسمح له بإعادة إنتاج هذه المُعادلة إذا تحولت الإصلاحات من شعارات إلى سياسات مُستمرة .

أخيراً وليس آخراً .. المطلوب اليوم ليس خطاباً أخلاقياً يلوم المجتمع ، ولا حملة أمنية موسمية ضد بعض الظواهر ، بل مشروع وطني لإعادة بناء الإنسان العراقي يبدأ بإصلاح التعليم ، وأستعادة هيبة المُعلم ، ودعم الأُسرة ، وتوسيع النشاط الثقافي والرياضي ، ومعالجة الإدمان بوصفه قضية صحية وأمنية ، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب ، وتجفيف مصادر الفساد ، وتطبيق القانون بعدالة على الجميع .
أما الطبقة السياسية والحكومة ، فعليهما أن تُدركا أن حماية المُجتمع لا تبدأ من مُعالجة نتائج الانهيار ، بل من مُعالجة أسبابه .
فالدولة التي تُريد مُواطناً يحترم القانون ، عليها أولاً أن تُقدم له قانوناً مُحترماً وعادلاً ، والدولة التي تريد مُجتمعاً نزيهاً ، عليها أن تجعل النزاهة طريقاً للنجاح لا عائقاً أمامه .
العراق لم يفقد قُدرته على النهوض ، لكنه يحتاج إلى أن تستعيد الدولة دورها في صناعة الإنسان ، قبل أن تطلب من الإنسان أن يصنع الدولة ، فحين يستقيم الإنسان ، تستقيم الأسرة .
وحين تستقيم الأسرة ، يستعيد المُجتمع توازنه .
وحين يستعيد المُجتمع توازنه ، تصبح الدولة أكثر قُدرة على البقاء والنهوض والتطور …!