محور العراق..!
رياض الفرطوسي ||

منطقتنا اليوم بلا مشروع جامع، وهذه حقيقة يجب أن تُقال بلا مواربة قبل أي حديث عن حلول.
ليس لدينا مشروع متفق عليه، ولا حد أدنى من التفاهم الإقليمي يحمي مصالحنا من مشاريع الآخرين المتزاحمة على أرضنا. هذا هو أصل الأزمة، لا تفصيل من تفاصيلها. والعالم من حولنا يقدّم الدرس كل يوم دون أن نلتفت إليه.
انظر إلى حلف الأطلسي، أو الاتحاد الأوروبي، أو حتى منظمة شنغهاي التي تجمع خصوماً تاريخيين تحت سقف واحد، أو “آسيان” التي وحّدت دولاً متفاوتة الأنظمة والمصالح، أو الاتحاد الأفريقي، أو “بريكس” التي تضم قوى متباعدة الرؤى والمرجعيات. جميع هذه التجمعات لم تشترط التطابق الكامل بين أعضائها، ولم تفرض تماثل الأنظمة أو الأيديولوجيات أو حتى درجة القرب من هذه القوة الدولية أو تلك.
كل ما اشترطته هو أمر واحد بسيط وعميق في آن: ألا تتحول الدولة العضو إلى أداة ضرر بحق بقية الأعضاء. هذا هو الحد الأدنى الذي بُنيت عليه كل المشاريع الإقليمية الناجحة في التاريخ الحديث، وهو حد يقوم على الواقعية السياسية لا على الشعارات.
منطقتنا اليوم مزدحمة بمشاريع متعددة، لكل منها جذوره وامتداداته. إيران، بثقلها التاريخي العميق وامتدادها الجغرافي وحجمها السكاني، لها دور إقليمي راسخ يمتد عبر قرون من التفاعل مع محيطها، ولها كأي دولة كبرى مصالح مشروعة في أمنها القومي ورؤية لموقعها في التوازنات المقبلة. وتركيا، الوريثة لإرث سياسي وإمبراطوري ممتد، تعيد اليوم تعريف دورها في المنطقة عبر أدوات اقتصادية وعسكرية وثقافية متعددة، بما يعكس طموحاً مستمراً منذ عقود لإعادة التموضع الإقليمي. وإسرائيل من جهتها تعمل على إعادة رسم خرائط النفوذ بأدوات مختلفة تماماً.
فوق هذا كله، يدور صراع دولي محتدم بين واشنطن وموسكو وبكين يستخدم هذه المنطقة ساحة اختبار متكررة لموازين قوته.
في خضم هذا الزحام من المشاريع والمصالح المتقاطعة، تبقى الحاجة قائمة إلى صوت إقليمي جامع يقول بوضوح: هذه خطوطنا الحمراء، وهذا حدنا الأدنى الذي لا نتنازل عنه، بصرف النظر عن اختلاف الأنظمة أو تعدد المرجعيات أو تفاوت القوة بين الأطراف. هذا ما تفعله كل التجمعات الناجحة في العالم: لا تُلغي التنافس، لكنها تضبطه بقواعد لا يجوز خرقها.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز العراق بوصفه محوراً لا يمكن تجاوزه. موقعه الجغرافي الذي يصله بالخليج والشام وإيران وتركيا في آن واحد يمنحه موقع تقاطع نادراً، وثقله التاريخي كمهد لحضارات كبرى يمنحه رصيداً رمزياً لا تملكه دول كثيرة، وتجربته المريرة عبر عقود من الصراعات المفروضة عليه علّمته أكثر من غيره ثمن غياب المشروع الجامع.
هذه العناصر مجتمعة تؤهل العراق ليكون منطلقاً استراتيجياً لا ساحة صراع، وجسر توازن بين مشاريع متزاحمة لا أداة في يد أي طرف منها. تحويل هذا التأهيل إلى واقع لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إرادة سياسية عراقية أولاً، تقوم على قناعة واضحة بأن مصالح العراق واستقراره هي الأهم، وأن الانحياز الكامل لأي محور خارجي على حساب هذه المصالح ثمنه أعلى مما يبدو في اللحظة الآنية.
الواقعية السياسية هنا لا تعني السذاجة ولا التفاؤل المجاني. فالتفاهم الإقليمي الذي نتحدث عنه لن يُبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على مصالح متبادلة يفهم كل طرف فيها أن كلفة الإضرار بالآخرين ستعود عليه في النهاية. هذا هو المنطق الذي حكم كل التجمعات الناجحة في التاريخ الحديث، ولا سبب يمنع أن يحكم منطقتنا أيضاً.
المطلوب ليس مؤتمراً جديداً يُضاف إلى أرشيف المؤتمرات المنسية، ولا بياناً ختامياً يتبخر أثره بعد ساعات، بل بداية فعلية من محور إقليمي متوازن يمتلك مقومات القيادة الهادئة، ويحوّل موقعه الجغرافي وثقله التاريخي إلى أداة جمع لا استقطاب. فإما أن نصنع حدنا الأدنى بأيدينا انطلاقاً من إرادة واعية بأن مصالحنا هي الأولوية، أو يُصنع لنا من الخارج، وحينها لن يكون في مصلحة أحد.
هذه ليست معادلة نظرية تُطرح للنقاش، بل شرط واقعي لاستقرار منطقة أنهكتها عقود من غياب هذا الحد الأدنى.




