الجمعة - 18 سبتمبر 2026

الشرق الأوسط يعيد ترتيب نفسه… من يرسم النظام الإقليمي الجديد؟!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

لم يعد السؤال في الشرق الأوسط اليوم: من ربح الحرب ومن خسرها؟

السؤال الأعمق هو: ماذا ستفعل دول المنطقة بعد أن اكتشفت أن النظام الذي عاشته طوال عقود لم يعد قادراً على حمايتها كما كان؟

فالحروب الأخيرة لم تغيّر خطوط النار فقط، بل بدأت تغيّر طريقة تفكير الدول في أمنها واقتصادها وتحالفاتها. إيران لم تعد تنظر إلى أمنها من خلال الخليج وحده، والسعودية تعيد حساباتها الأمنية بعد استهداف منشآت حيوية، وتركيا تتقدم داخل ملفات سوريا والعراق والخليج، وسوريا تحاول العودة من موقع الدولة الممزقة إلى موقع الدولة التي يمكن أن تكون ممراً ومركزاً اقتصادياً، فيما تحاول إسرائيل تثبيت بيئة أمنية جديدة حولها.

أما لبنان، فيبقى في قلب هذه المعادلة، لا لأنه الأقوى فيها، بل لأن الجنوب اللبناني يقع عند نقطة التقاء أكثر من مشروع إقليمي.

وهنا تكمن المسألة التي تستحق التوقف: هل نحن أمام شرق أوسط يعيد بناء توازناته من الداخل، أم أمام مرحلة جديدة يعاد فيها رسم المنطقة من الخارج؟

من التحالفات القديمة إلى تعدد الخيارات

لسنوات طويلة، كان الأمن الإقليمي يقوم بدرجة كبيرة على علاقة الولايات المتحدة بدول الخليج، وعلى الصراع الإيراني ــ الأميركي، وعلى التنافس العربي ــ الإيراني، وعلى الدور الإسرائيلي المدعوم أميركياً.

لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن دول المنطقة لم تعد تريد أن تضع كل أوراقها في سلة واحدة.

أوضح مثال هو الاتفاق الدفاعي الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في آب 2026. الاتفاق لا يعني تلقائياً قيام حلف عسكري شبيه بحلف شمال الأطلسي، ولا يعني أن الرياض أو أنقرة قطعتا علاقاتهما مع واشنطن؛ بل يمكن قراءته، وفق تحليلات مراكز بحثية، باعتباره محاولة لتنويع مصادر الأمن الإقليمي وإيجاد ترتيبات تستطيع دول المنطقة من خلالها التعامل مع المخاطر بصورة أكبر من السابق.

وهذا تطور مهم لأن السعودية وتركيا تحديداً ليستا دولتين هامشيتين.

السعودية تملك المال والطاقة والموقع الجغرافي، وتركيا تملك الجيش والاقتصاد والموقع الذي يصل أوروبا بالشرق الأوسط، فيما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات استراتيجية.

والأهم أن هذا الترتيب لا يلغي العلاقة مع الولايات المتحدة، بل يكشف شيئاً آخر: الدول الإقليمية تريد أن يكون لديها أكثر من باب للأمن.

وهذا تغيير في العقل السياسي للمنطقة.

تركيا تدخل من بوابة سوريا

ربما تكون سوريا المكان الأكثر وضوحاً لهذا التحول.

فبعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تعد سوريا مجرد ساحة صراع بين الآخرين. تحاول دمشق استعادة دور الدولة، فيما تتوسع العلاقة السورية ــ التركية في التجارة والطاقة والنقل والتنسيق المؤسسي. وفي 13 أيلول الحالي أعلن وزيرا خارجية سوريا وتركيا عن خطوات لتوسيع هذه الشراكة في هذه المجالات.

لكن أهمية سوريا تتجاوز العلاقات الثنائية.

فالجغرافيا السورية تجعلها جسراً طبيعياً بين العراق وتركيا والبحر المتوسط، وبين الخليج والأسواق الأوروبية.

وهنا تظهر مفارقة تاريخية لافتة: الدولة التي كانت خلال سنوات الحرب ممراً للصراع، يمكن أن تتحول تدريجياً إلى جزء من شبكة المواصلات والتجارة والطاقة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن النفط العراقي بدأ يُنقل براً عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط في محاولة لتجاوز الاختناقات التي أصابت الطرق البحرية، كما يجري بحث مشاريع نقل وسكك حديدية يمكن أن تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر سوريا.

لكن علينا التمييز هنا بين الإمكان الجغرافي والمشروع المكتمل.

فسوريا لا تزال تحتاج إلى إعادة بناء واسعة، وإلى استقرار أمني ومؤسسات قادرة على حماية الطرق والمنشآت، وإلى استثمارات ضخمة. ولذلك فإن الحديث عن تحولها إلى مركز إقليمي يجب أن يبقى في إطار المسار المحتمل لا الحقيقة المكتملة.

العراق… الدولة التي تقع في منتصف الخريطة

أما العراق، فقد يجد نفسه أمام امتحان مختلف.

العراق ليس مجرد دولة بين إيران والسعودية وتركيا وسوريا؛ إنه نقطة اتصال بين هذه الدول جميعاً.

ولهذا فإن استقرار العراق أصبح مصلحة إقليمية تتجاوز حدوده.

والحادثة الأخيرة المتعلقة باستهداف منشآت سعودية بطائرات مسيّرة أطلقت، بحسب السلطات السعودية ومصادر نقلتها رويترز، من الأراضي العراقية، دفعت بغداد إلى إجراءات أمنية وإلى إغلاق معبر الشلامجة مع إيران مؤقتاً في 11 أيلول، فيما بدأت عمليات لتعقب المسؤولين عن الهجمات.

وهنا يظهر سؤال بالغ الحساسية:

هل يستطيع العراق أن يتحول من ساحة تتقاطع فيها النفوذات إلى دولة تملك قرارها الأمني والجغرافي؟

الإجابة لم تُحسم بعد.

لكن اتجاه الأحداث يوضح أن بغداد لا تستطيع أن تتعامل مع موقعها الجغرافي باعتباره قدراً سياسياً فقط. فكلما أصبحت خطوط التجارة والطاقة أكثر حساسية، أصبحت سيادة العراق على أراضيه أكثر أهمية لجيرانه وللاقتصاد الإقليمي.

السعودية… من حماية النفط إلى إعادة بناء الأمن

السعودية أيضاً تعيد النظر في معادلتها الأمنية.

فالهجوم الأخير على خط أنابيب الشرق ــ الغرب أظهر أهمية البنية التحتية البرية التي تسمح للمملكة بتجاوز بعض الاختناقات البحرية. وتشير رويترز إلى أن الخط، الممتد نحو 1200 كيلومتر، كان ينقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، وأن الهجوم أصاب ثلاث محطات ضخ، ما أدى إلى تعطله مؤقتاً.

المسألة هنا ليست النفط وحده.

إنها سؤال الدولة الحديثة: كيف تحمي اقتصاداً يعتمد على شبكة هائلة من الموانئ والأنابيب والمطارات ومحطات الطاقة والطرق؟

ولهذا يأتي التقارب السعودي مع تركيا وباكستان، في الوقت الذي تستمر فيه الرياض في تطوير علاقتها الدفاعية مع واشنطن.

وفي 17 أيلول وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة محتملة للسعودية تشمل 48 طائرة F-35، بقيمة معلنة تبلغ 24.3 مليار دولار، بانتظار الإجراءات الأميركية اللازمة.

الصورة إذاً ليست خروج السعودية من المظلة الأميركية، بل تبدو أقرب إلى تعدد طبقات الأمن: شراكة أميركية، تعاون إقليمي، قدرات عسكرية محلية، وتنويع اقتصادي واسع.

وإيران؟

إيران بدورها تواجه واقعاً جديداً.

فمع اضطراب الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، بدأت طهران تعتمد بصورة أكبر على الطرق البرية عبر تركيا. وتفيد «فايننشال تايمز» بأن أكثر من 80 في المئة من تجارة إيران كانت تتحرك بحراً قبل الحرب، بينما ازدادت حركة الشاحنات عبر الحدود التركية ــ الإيرانية بعد اضطراب الملاحة. لكن النقل البري لا يستطيع تعويض القدرة البحرية بالكامل، كما أن التجارة الإيرانية تواجه ارتفاعاً في تكاليف النقل والعقوبات والاختناقات اللوجستية.

وهذا يعني أن الجغرافيا بدأت تعمل في الاتجاهين.

إيران تحاول الالتفاف على القيود البحرية، وتركيا تستفيد من موقعها، وسوريا تبحث عن دور، والعراق يحاول حماية أراضيه من أن يصبح ممراً للصراع، والسعودية تبحث عن بدائل وحماية متعددة.

الخريطة الاقتصادية بدأت تؤثر في الخريطة الأمنية، والخريطة الأمنية بدأت بدورها تعيد تشكيل الاقتصاد.

وأين إسرائيل ولبنان؟

هنا نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية.

إسرائيل تنظر إلى ما يجري من زاوية مختلفة: أمن الحدود، منع تشكل قدرات عسكرية معادية، والحفاظ على حرية الحركة العسكرية، وفي الوقت نفسه التعامل مع صعود أدوار إقليمية جديدة، خصوصاً تركيا والسعودية.

لكن المشكلة أن إسرائيل ليست اللاعب الوحيد الذي يريد رسم البيئة الجديدة.

تركيا لها حساباتها في سوريا، والسعودية لها حساباتها في الخليج، وإيران لها حساباتها في العراق ولبنان وسوريا، والولايات المتحدة تريد الحفاظ على نفوذها، وروسيا والصين تراقبان التحولات الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي وسط كل ذلك يقف لبنان.

الجنوب اللبناني ليس جزيرة منفصلة عن هذه الخريطة.

فالحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية مرتبطة بمسألة أمن إسرائيل، وبمستقبل حزب الله، وبموقف الدولة اللبنانية، وبالدور الأميركي والفرنسي، وبالمعادلة السورية، وبالموقف الإيراني.

ولهذا فإن مستقبل الجنوب لن يتحدد فقط بما يجري في القرى الحدودية، بل بما ستؤول إليه المعادلة الإقليمية بأكملها.

الشرق الأوسط الذي يتشكل أمامنا

ما يجري إذاً ليس بالضرورة ولادة نظام إقليمي جديد مكتمل.

الأدق أننا أمام مرحلة انتقالية: النظام القديم لم يختفِ، والنظام الجديد لم يولد بعد.

الولايات المتحدة لا تزال لاعباً مركزياً. إسرائيل لا تزال قوة عسكرية رئيسية. السعودية تملك وزناً اقتصادياً وسياسياً كبيراً. تركيا تصعد إقليمياً. إيران تحاول المحافظة على قدرتها على التأثير. العراق يبحث عن مساحة قرار أوسع. سوريا تحاول العودة إلى الخريطة. ولبنان ينتظر أن يعرف أي خريطة ستصل إليه أولاً.

والسؤال الحقيقي ليس من سيحكم الشرق الأوسط.

فالتاريخ أثبت أن الشرق الأوسط لا يُحكم بسهولة من عاصمة واحدة.

السؤال هو: من سيملك القدرة على التأثير في قواعد اللعبة؟

ربما لا يكون الشرق الأوسط المقبل شرق أوسط بمحورين كما عرفناه طويلاً، بل شرق أوسط متعدد المراكز: الرياض وأنقرة وطهران والقاهرة وبغداد ودمشق وتل أبيب، مع واشنطن وموسكو وبكين في الخلفية.

وفي هذه الحالة، لن تكون قوة الدولة في عدد صواريخها وحده، ولا في حجم اقتصادها وحده، بل في قدرتها على الجمع بين الأمن والاقتصاد والجغرافيا والتحالفات والسيادة.

أما لبنان، فالمأساة أنه يدخل هذه المرحلة وهو لا يزال يبحث عن إجابة لسؤال أقدم بكثير:

من يقرر؟

لأن المنطقة كلها بدأت تعيد ترتيب نفسها.

ومن لا يملك قراراً واضحاً في الداخل، قد يجد نفسه مرة أخرى أمام خريطة يرسمها الآخرون.

وهذه المرة، قد لا تُرسم الخريطة بالحبر والحدود فقط، بل بالطرق والأنابيب والموانئ والتحالفات وموازين الأمن.

إنها ليست ولادة شرق أوسط جديد بعد.

لكنها بالتأكيد بداية نهاية الشرق الأوسط القديم.

— أمين السكافي