الإنتخابات..تغيير أم إعادة تدوير؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

الإنتخابات ليست مجرد (يوم) نضع فيه ورقة داخل صندوق، ثم نعود إلى بيوتنا بإنتظار أربع سنوات أخرى، الإنتخابات يُفترض أن تكون خارطة طريق جديدة وتغيير، وتجديد للثقة، وتصحيح لمسار الدولة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ما جدوى الإنتخابات إذا بقيت الوجوه ذاتها، والعقلية ذاتها، وشبكة المصالح ذاتها، والنتائج المتوقعة هي ذاتها؟
قد يتغير السيناريو، وتتغير الشعارات، وتتبدل عناوين الحملات الإنتخابية، لكن إذا بقيت الشخصيات نفسها تتنقل من منصب إلى آخر؛ من وزير إلى سفير، ومن سفير إلى وزير، ومن وكيل إلى مدير عام، ومن مدير إلى مستشار، فأين هي فرصة الكفاءات العراقية؟
المشكلة ليست في الإنتخابات كفكرة، بل في أن تتحول الإنتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج الواقع نفسه.
واللافت اليوم أن الحديث لم يعد يقتصر على الإنتخابات ومرشحيها، بل بدأ يمتد إلى قانون الإنتخابات نفسه وإلى شكل المؤسسة التي تدير العملية الإنتخابية، فقد تحدثت تقارير حديثة عن إتفاق مبدئي داخل قوى الإطار التنسيقي لإجراء تعديلات على قانون الإنتخابات، إلى جانب تغيير في تشكيل مفوضية الإنتخابات، مع طرح مسألة إبعاد القضاة عن إدارتها وإستبدالهم بأختصاصيين وفنيين.
وهنا يحق لنا أن نسأل: ما الهدف من تغيير قانون الإنتخابات؟ ولمن تُكتب هذه التعديلات؟ ومن المستفيد منها؟
إذا كان الهدف هو تطوير العملية الإنتخابية، وزيادة الشفافية، وتعزيز إستقلالية المفوضية، وتحسين آليات إحتساب الأصوات، فهذا أمر ينبغي أن يُناقش علناُ وبشفافية، أما إذا كان تغيير القانون أو إعادة تشكيل المفوضية سيُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى أو خدمة مصالح إنتخابية محددة، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام إصلاح للإنتخابات أم إعادة هندسة للإنتخابات؟
والمفارقة أن المفوضية الحالية ما زالت تعمل رسمياً وفق قانونها النافذ، وتضم مجلس مفوضين بينهم قضاة، وتواصل إستعداداتها الفنية للإستحقاقات المقبلة، ومنها مشروع إعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في التصويت.
لذلك فإن أي تغيير جوهري يجب ألا يكون مجرد تفاهم سياسي خلف الأبواب المغلقة، بل ينبغي أن يخضع لنقاش وطني وقانوني واضح، لأن قواعد الإنتخابات لا ينبغي أن تُفصّل على مقاس الفائزين المحتملين، بل على مقاس الدولة والناخب.
العراق لا يفتقر إلى الكفاءات، ولا إلى أصحاب الخبرة والنزاهة. ما ينقصه هو أن تُمنح هذه الكفاءات فرصة حقيقية، وأن تتراجع قاعدة مايسمى «الإستحقاق الحزبي» أمام إستحقاق الدولة والمواطن.
ولهذا فإن الرسالة اليوم موجهة إلى القوى السياسية قبل الناخب: إذا أردتم من المواطن أن يشارك، فقدموا له إنتخابات تستحق المشاركة، وإذا أردتم منه أن يثق، فقدموا له مرشحين قادرين على تغيير الواقع، لا إعادة تدويره.
أما الناخب، فعليه أن يدرك أن صوته ليس سلعة تُباع بخمسين ألفاً أو مئة ألف دينار، أو بطانية ومدفأة، وليس من المنطقي أن يبيع الإنسان مستقبله ومستقبل أبنائه مقابل مبلغ ينتهي خلال أيام، بينما تستمر آثار إختياره لسنوات.
فالإنتخابات النزيهة لا تبدأ من صندوق الإقتراع فقط؛ بل تبدأ من وعي الناخب، ونزاهة المرشح، وشفافية العملية، ورفض شراء الأصوات، ومحاسبة من يستغل المال والنفوذ للوصول إلى السلطة.
نحن لا نحتاج إلى إنتخابات تغيّر أسماء على الورق، وإنما إلى إنتخابات تفتح الباب أمام تغيير حقيقي في طريقة إدارة الدولة، فإذا بقيت «حيتان الفساد» كما يصفها الرأي العام قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وإذا بقيت المناصب تدور بين الشخصيات والكتل نفسها، وإذا بقيت الكفاءة خارج المشهد، فمن حق المواطن أن يسأل بصوت عالٍ: ماذا ستغيّر الإنتخابات؟ وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول اليأس من الإنتخابات إلى عزوف كامل عن الشأن العام، لأن الفراغ لا يبقى فارغاً؛ وقد تملؤه القوى الأكثر تنظيماً وقدرة على الحشد.
لذلك، المطلوب ليس إنتخابات لمجرد القول إننا أجرينا إنتخابات، ولا مقاطعة لمجرد القول إننا غاضبون.
المطلوب هو أن تصبح الإنتخابات وسيلة حقيقية للإصلاح، لا وسيلة لإعادة إنتاج السلطة.
وعلى القوى السياسية أن تفهم أن العراق ليس حكراً على أحد، وأن المناصب ليست ملكاُ دائماً لشخص أو حزب أو كتلة.
إفتحوا الأبواب أمام الكفاءات العراقية… فربما يكون التغيير الحقيقي ليس في تغيير السيناريو، وإنما في تغيير أبطال المشهد.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




