السبت - 29 اغسطس 2026

من طوفان الأقصى إلى انفجار جبهة لبنان (الحلقة ٨) الزلزال الذي غيّر قواعد اللعبة..!

منذ ساعتين
السبت - 29 اغسطس 2026

 أمين السكافي  ||

 

 

الجزء الأول: الزلزال الذي غيّر قواعد اللعبة

لم يكن السابع من تشرين الأول 2023 يوماً آخر في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. كان يوماً انكسر فيه شيء أعمق من السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل؛ انكسرت صورة الردع الإسرائيلي، وسقطت في ساعات قليلة فرضية أن قطاع غزة بات ساحة يمكن احتواؤها وإدارتها، وأن حركة حماس أصبحت، بفعل الحصار والهدن والتمويل والتفاهمات غير المباشرة، قوة يمكن التحكم بسلوكها.

في ذلك الصباح خرجت حماس من تحت الأرض إلى فوقها، وهاجمت مواقع عسكرية وبلدات ومستوطنات إسرائيلية، وأسفرت العملية عن نحو 1,200 قتيل إسرائيلي وأجنبي، وأسر 251 شخصاً ونقلهم إلى غزة.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في حجم القوة التي استخدمتها حماس فحسب، بل في قدرتها على تحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية.

كانت إسرائيل تملك أجهزة استخبارات من الأكثر تطوراً في العالم، وشبكة مراقبة إلكترونية وبشرية وتقنية هائلة حول غزة. ومع ذلك، أخفقت في تحويل مؤشرات متعددة إلى إنذار عملياتي يمنع الهجوم. وقد خلصت تحقيقات ودراسات إسرائيلية وأكاديمية لاحقة إلى أن المشكلة لم تكن غياب المعلومات بالكامل، بل سوء تفسيرها، والتحيزات الفكرية، والاستخفاف بقدرات حماس، والإفراط في الثقة بالتفوق التكنولوجي.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

لماذا فعلت حماس ذلك؟

هذا هو السؤال الذي سيبقى لسنوات أحد أكثر الأسئلة تعقيداً في تاريخ المنطقة.

لم يكن هناك سبب واحد.

كانت غزة محاصرة منذ سنوات، والضفة الغربية تشهد توسعاً استيطانياً متواصلاً، والقدس تدخل باستمرار في دائرة التوتر، فيما بدا أن القضية الفلسطينية تفقد موقعها في الأولويات العربية والدولية. وفي الوقت نفسه كان مسار التطبيع العربي ـ الإسرائيلي يتقدم، وكانت احتمالات التوصل إلى تفاهم سعودي ـ إسرائيلي تزداد.

من هذه الزاوية يمكن قراءة 7 أكتوبر باعتباره محاولة لإعادة القضية الفلسطينية بالقوة إلى مركز المعادلة.

لكن حماس لم تكن تتحرك فقط ضد مسار سياسي. كانت تريد أيضاً، على الأرجح، إعادة تعريف قواعد الصراع نفسها: بدلاً من أن تبقى غزة محاصرة وتنتظر ما تقرره إسرائيل، أرادت أن تجعل إسرائيل هي التي تنتظر ما ستفعله غزة.

وهنا يجب أن نميز بين أمرين.

الأول ثابت: حماس خططت للعملية على مدى سنوات، وأخفقت إسرائيل في فهم نياتها. وقد خلص تحقيق عسكري إسرائيلي لاحق إلى أن خطة الهجوم كانت معروفة بصورة جزئية منذ سنوات، وأنها طورت منذ منتصف العقد السابق وأقرت بصيغتها النهائية قبل وقت طويل من التنفيذ.

أما الثاني، وهو أن حماس أرادت تحديداً منع التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي، فهو تفسير مهم تدعمه تحليلات عديدة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى «السبب الوحيد».

فالقرار كان أكبر من ملف التطبيع.

كان محاولة لتغيير المعادلة الفلسطينية كلها.

لماذا لم تخبر حماس أحداً؟

هنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة.

إذا كان الهدف إشعال حرب إقليمية، فلماذا لم تخبر حماس إيران وحزب الله بكل تفاصيل العملية؟

المتاح من الأدلة لا يسمح بالقول إن إيران كانت صاحبة القرار العملياتي في 7 أكتوبر. في الأيام الأولى نفسها، قالت الولايات المتحدة وإسرائيل إنهما لا تملكان دليلاً مباشراً على أن إيران أمرت بالعملية أو خططت لها، رغم الدعم الإيراني التاريخي لحماس.

وهذا التفصيل بالغ الأهمية.

لأن حماس لو أخبرت الجميع بالتوقيت والحجم، لكان عنصر المفاجأة قد انخفض، ولكان احتمال تسرب العملية أعلى.

لذلك يبدو أن السرية كانت جزءاً من التصميم نفسه.

لكن السرية حملت معها مشكلة استراتيجية هائلة: الحليف الذي لا يعرف متى تبدأ الحرب لا يستطيع بالضرورة أن يعرف كيف يخوضها.

وهذا ما سيظهر لاحقاً في لبنان.

هل أخطأت حماس في حساب رد إسرائيل؟

ربما كان هذا أكبر خطأ استراتيجي في العملية.

لا يمكن القول إن حماس لم تكن تعرف أن إسرائيل سترد. من غير المعقول أن قيادة عسكرية خططت لاقتحام إسرائيل وأسر جنود ومدنيين لم تتوقع حرباً.

لكن السؤال ليس: هل توقعت الرد؟

السؤال هو:

هل توقعت حجمه ومدته وأهدافه؟

هنا تبدو الإجابة أقل وضوحاً.

ربما توقعت حماس حرباً قاسية، لكنها توقعت أيضاً أن يؤدي دخول حزب الله والحوثيين وفصائل العراق وربما إيران إلى خلق ضغط متعدد الجبهات يجبر إسرائيل على توزيع قواتها ووقف الحرب قبل أن تتمكن من تدمير غزة.

وهذا الرهان لم يتحقق بالشكل المتوقع.

دخل حزب الله في اليوم التالي.

لكن لم تدخل المنطقة كلها حرباً شاملة.

وهنا بدأ الفرق بين وحدة الساحات كشعار سياسي ووحدة الساحات كخطة عسكرية فعلية.

8 أكتوبر: حزب الله يدخل الحرب

في الثامن من تشرين الأول، أي بعد يوم واحد من طوفان الأقصى، بدأ حزب الله إطلاق النار على مواقع إسرائيلية على الحدود، معلناً أن ذلك يأتي في سياق دعم غزة.

كان القرار الذي اتخذه السيد حسن نصرالله بالغ الحساسية.

فهو أمام ثلاثة خيارات:

إما أن يبقى حزب الله خارج الحرب، فيتهم بالتخلي عن غزة.

أو يذهب إلى حرب شاملة، فيعرض لبنان وحزبه لمعركة قد تكون أكبر بكثير من حرب 2006.

أو يفتح جبهة محدودة ومحسوبة، تجعل الجيش الإسرائيلي مضطراً إلى نشر جزء كبير من قوته في الشمال، من دون إعطائه ذريعة للذهاب فوراً إلى حرب شاملة.

اختار الخيار الثالث.

وفي خطاباته اللاحقة، قدم نصرالله هذا القرار باعتباره «جبهة إسناد» لغزة، لا حرباً مستقلة من أجل لبنان. وكانت الفكرة أن يبقى الضغط العسكري قائماً إلى جانب الحرب في غزة.

ومن الناحية العسكرية، نجحت الجبهة اللبنانية في فرض واقع جديد.

إسرائيل اضطرت إلى إخلاء عشرات البلدات الشمالية، ونقلت جزءاً مهماً من قواتها إلى الحدود اللبنانية، وتحولت الجبهة الشمالية إلى جبهة قتال مستمرة.

لكن السؤال الأصعب بقي:

هل خفف حزب الله فعلاً عن غزة بالقدر الذي كان يريده؟

الجواب يحتاج إلى التفريق بين «التخفيف» و«تغيير نتيجة الحرب».

نعم، الجبهة اللبنانية أجبرت إسرائيل على تخصيص قوات وموارد كبيرة للشمال، وأطلقت صواريخ ومسيّرات وأوقعت قتلى وجرحى وأضراراً في المنشآت والمستوطنات.

لكنها لم تمنع إسرائيل من مواصلة حرب غزة.

وهنا بدأت تظهر حدود استراتيجية الإسناد.

لماذا لم تتحول الجبهة إلى حرب شاملة؟

كان نصرالله يدرك أن الذهاب إلى حرب شاملة يعني فتح أبواب لا يستطيع أحد إغلاقها بسهولة.

إيران لم تكن تريد، على ما يبدو، الدخول المباشر في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب غزة. وحزب الله، رغم ارتباطه العضوي بمحور المقاومة، كان يعمل أيضاً داخل واقع لبناني بالغ التعقيد.

فلبنان كان منهكاً اقتصادياً، والدولة ضعيفة، والناس لا يحتملون حرباً جديدة.

وبالتالي كانت المعادلة التي حكمت الأشهر الأولى:

نساند غزة، لكن لا نفتح حرباً تدمّر لبنان.

هذه السياسة كانت موضع جدل كبير.

أنصار الحزب رأوا فيها عقلانية استراتيجية: إبقاء الضغط على إسرائيل مع تجنب الحرب الشاملة.

منتقدوه رأوا العكس: جبهة لا تستطيع وقف الحرب في غزة، لكنها تمنح إسرائيل فرصة الاستعداد لمعركة أكبر مع حزب الله.

وبعد مرور الوقت، يصبح من الممكن القول إن الطرفين كانا يحملان جزءاً من الحقيقة.

حرب استنزاف طويلة

بين تشرين الأول 2023 وصيف 2024 بقيت الجبهة اللبنانية ضمن مستوى تصعيد متدرج.

صواريخ مضادة للدروع، قذائف مدفعية، صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، مسيرات، غارات إسرائيلية، اغتيالات واستهدافات متبادلة.

لكن شيئاً آخر كان يحدث تحت سطح المعركة:

إسرائيل كانت تتعلم.

كانت تراقب طرق اتصال حزب الله، تحلل أنماط تحركه، تجمع معلومات عن قادته ومواقعه ومنظومة اتصالاته، وتبحث عن نقاط ضعفه.

وفي المقابل كان الحزب يختبر قدرته على العمل تحت ضغط المراقبة الجوية والإلكترونية الإسرائيلية.

كانت تلك الأشهر أشبه بمختبر عسكري هائل.

كل طرف كان يجمع معلومات عن الآخر استعداداً للحرب التي لم تبدأ بعد.

هل كان حزب الله يملك خياراً أفضل؟

هذا السؤال سيبقى مثار خلاف تاريخي.

لو لم يدخل حزب الله في 8 أكتوبر، لكان قد حافظ على قوته العسكرية وربما تجنب الحرب الكبرى.

لكن ذلك كان سيعني أيضاً ترك غزة تواجه الحرب منفردة، وهو أمر كان سيشكل ضربة لمفهوم «محور المقاومة» نفسه.

أما دخوله المحدود فقد جعل الحزب طرفاً في حرب استنزاف طويلة، من دون أن ينجح في فرض وقف الحرب على غزة.

وهنا يمكن تسجيل أول خسارة استراتيجية:

تحولت جبهة الإسناد من ورقة ضغط إلى التزام طويل الأمد.

كلما طال أمد الحرب، أصبح الخروج منها أصعب.

إسرائيل تغيّر قواعد الاشتباك

في بداية الحرب كان الطرفان يتصرفان ضمن قواعد شبه مفهومة.

لكن خلال 2024 بدأ السقف يرتفع.

اغتيالات داخل الأراضي اللبنانية، ضربات أعمق في البقاع، استهداف قيادات نوعية، وضربات إسرائيلية متزايدة الدقة.

وفي المقابل وسّع حزب الله مدى بعض ضرباته واستخدم المسيّرات والصواريخ بصورة أكثر جرأة.

ثم جاءت الضربة التي غيرت كل شيء.

17 أيلول 2024: اليوم الذي انفجرت فيه منظومة الأمن

في السابع عشر من أيلول انفجرت آلاف أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر في حزب الله في وقت متقارب في لبنان ومناطق أخرى.

لم تكن هذه عملية قصف تقليدية.

كانت عملية اختراق.

وفي اليوم التالي جاءت موجة ثانية طالت أجهزة اتصال أخرى.

ووفق RUSI، قُتل في الموجة الأولى 11 شخصاً وأصيب أكثر من ألفين في الساعات الأولى، بينهم مسؤولون في حزب الله والسفير الإيراني في لبنان.

وبصرف النظر عن التفاصيل العملياتية التي بقي كثير منها سرياً، فقد كشفت العملية شيئاً أخطر من عدد الضحايا:

إسرائيل استطاعت الوصول إلى سلسلة من البنية الأمنية التي كان حزب الله يفترض أنها محمية.

ومن هنا لم تعد الحرب حرب صواريخ فقط.

أصبحت حرب معلومات واستخبارات وسيطرة.

وكان ذلك مقدمة للمرحلة الأكثر دموية.

من الحرب المحدودة إلى الحرب الكبرى

بعد انفجارات أجهزة الاتصال، لم يعد ممكناً عملياً العودة إلى قواعد الاشتباك القديمة.

بدأت إسرائيل ضربات أوسع، واستهدفت قيادات عليا.

وفي 27 أيلول 2024 قُتل السيد حسن نصرالله في غارة إسرائيلية ضخمة على الضاحية الجنوبية لبيروت. وكان اغتياله نقطة تحول استراتيجية لا يمكن اختزالها في فقدان قائد.

فقد نصرالله كان يعني فقدان الشخصية التي قادت الحزب منذ عام 1992، وأدارت حروبه مع إسرائيل، وصاغت خطابه السياسي، وأدارت علاقاته مع إيران وسوريا والفصائل الفلسطينية، وتحولت إلى أحد أكثر الوجوه تأثيراً في السياسة الإقليمية.

ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً.

لم تعد إسرائيل تحاول فقط احتواء جبهة لبنان.

أصبحت تحاول إعادة تشكيلها.

وبعد أيام دخل الجيش الإسرائيلي برياً إلى جنوب لبنان.

هنا انتهت عملياً مرحلة «الإسناد المحدود».

وبدأت الحرب الكبرى.

وهذا هو المكان الصحيح الذي يتوقف عنده الجزء الأول.

فالسؤال الذي سيحمله معنا الجزء الثاني ليس فقط: كم خسر حزب الله؟

بل:

كيف استطاعت إسرائيل خلال أيام قليلة الانتقال من اغتيال القيادة إلى تفكيك جزء من منظومة الأمن والاتصال، ثم إلى الحرب البرية؟ وهل كانت كل هذه الضربات نتيجة معلومات جمعت خلال حرب غزة وجبهة الإسناد، أم أن الاختراق كان أعمق وأقدم؟

ثم يأتي السؤال الأكثر إيلاماً:

هل كانت حرب الـ66 يوماً نتيجة طبيعية لقرار 8 أكتوبر، أم أن إسرائيل كانت قد قررت مسبقاً أن جبهة لبنان ستصبح المعركة التالية مهما كان شكل النهاية في غزة؟

هنا يبدأ الجزء الثاني.

فمن البيجر إلى نصرالله، ومن نصرالله إلى هاشم صفي الدين، ومن الحرب البرية إلى اتفاق وقف النار، ثم بقاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس، واستمرار الضربات، وسقوط سوريا، وإعادة بناء حزب الله لقدراته، وصولاً إلى الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في 28 شباط 2026، لم تعد المسألة قصة جبهة واحدة.

لقد أصبح السؤال: هل كان طوفان الأقصى بداية حرب، أم بداية انهيار منظومة إقليمية كاملة