السبت - 29 اغسطس 2026
منذ ساعتين
السبت - 29 اغسطس 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

حين يسقط المستبد، تهتف الجماهير في الشوارع، تُقتلع التماثيل وتُرفع رايات الحرية، ويبدو أن زمناً كاملاً قد انتهى. لكن الغبار سرعان ما ينقشع لنكتشف المفارقة القاسية: تغير الحاكم، لكن فكرة الحاكم بقيت في العقول. وربما لهذا فإن السؤال الحقيقي بعد سقوط أي نظام استبدادي ليس فقط، من سيحكم؟ بل ماذا فعل الاستبداد بعقل الإنسان؟ فالتغيير الذي يطال السلطة والمؤسسات ولا يصل إلى طريقة التفكير، قد لا يكون أكثر من طلاء جديد لزنزانة قديمة.

هنا تبدأ جغرافيا الفكر، وهي ليست جغرافيا الأماكن بقدر ما هي جغرافيا العقول. فالإنسان لا يرى العالم كما هو، وإنما من خلال الثقافة والتاريخ والتعليم واللغة التي صنعت عدسته الذهنية. وهذا ما يناقشه ريتشارد نيسبت في كتابه “جغرافيا الفكر” (عالم نفس اجتماعي أمريكي درس اختلاف أنماط التفكير بين الثقافات)، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الثقافة من إطار يساعدنا على فهم العالم إلى قفص يمنعنا من إعادة النظر فيه.

ولهذا كان مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة” (مفكر وفيلسوف جزائري اهتم بمشكلات الحضارة) شديد الأهمية حين تحدث عن “القابلية للاستعمار”، فالمشكلة ليست دائماً في الخارج وحده، وإنما في البنية الداخلية التي تجعل المجتمع قابلاً للخضوع. والفكرة نفسها يمكن إسقاطها على الاستبداد، فالمستبد قد يسقط، لكن القابلية للاستبداد يمكن أن تبقى، وقد نبدل الحاكم ونبقي العقل الذي يبحث عن حاكم جديد.

الفارق بين المجتمعات التي تتقدم وتلك التي تتعثر لا يكمن فقط في الثروة أو التكنولوجيا، وإنما في علاقتها بالسؤال. فالعقل المفتوح لا يبحث عن إجابة نهائية بقدر ما يبحث عن دليل، ولا يعتبر الخطأ هزيمة، بل فرصة للمراجعة. ولهذا كان ديكارت (فيلسوف فرنسي وأحد مؤسسي العقلانية الحديثة، صاحب “مقالة في المنهج”) مهماً في تاريخ الفكر حين جعل الشك طريقاً إلى اليقين، ثم جاء التنوير ليضع العقل في مواجهة سلطة الموروث، لا بهدف إلغاء الماضي، وإنما لمنع الماضي من أن يتحول إلى سجن للحاضر.

أما جون ديوي (فيلسوف أمريكي ورائد البراغماتية، صاحب “الديمقراطية والتربية”) فقد رأى أن التعليم ليس تخزيناً للمعلومات، بل تدريباً على التفكير وحل المشكلات، بينما جعل كارل بوبر (فيلسوف نمساوي بريطاني ورائد العقلانية النقدية، صاحب “المجتمع المفتوح وأعداؤه”) قابلية الأفكار للنقد والتفنيد شرطاً للمجتمع المفتوح. وهذه الفكرة بالذات تكشف جانباً من أزمتنا، فنحن كثيراً ما نسأل: من قال؟ ولا نسأل بما يكفي: هل ما قيل صحيح؟

لقد نجحت المجتمعات الحديثة، رغم تاريخها المليء بالحروب والاستعمار والأخطاء، في بناء مؤسسات تسمح لها بمراجعة نفسها. وهذا ما ارتبط بمفهوم العقلنة عند ماكس فيبر (عالم اجتماع ألماني، صاحب “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”)، حيث تصبح القاعدة والمؤسسة أهم من الشخص، والقانون أقوى من إرادة المسؤول. أما حين تصبح الدولة مرتبطة بشخص، والمؤسسة مرتبطة بزعيم، والقانون تابعاً للنفوذ، فإننا لا نكون قد بنينا دولة حديثة، مهما كانت حداثة أبنيتها وشعاراتها.

ولهذا يمكن أن تجد أكاديمياً يتحدث عن الحرية بعقلية استبدادية، ومتديناً يكثر من الحديث عن الأخلاق ولا يزداد رحمة، ومثقفاً يرفع شعار العقل ثم يغضب من كل رأي يخالفه. فالشهادة لا تحرر العقل بالضرورة، واللغة الحديثة لا تعني فكراً حديثاً. وقد كان علي الوردي (عالم اجتماع عراقي، صاحب “مهزلة العقل البشري”) بارعاً في كشف هذه المفارقة، فالإنسان قد يستخدم العقل لا للوصول إلى الحقيقة، وإنما للدفاع عن موقف اختاره مسبقاً.

نحن نعيش هذه المفارقة يومياً؛ نمتلك الهاتف الذكي لكننا قد نفكر بعقل قديم، ونبني البرلمان لكننا نبحث عن الزعيم، ونرفع شعار الديمقراطية لكننا لا نحتمل الاختلاف، ونطالب بدولة القانون ثم نبحث عن الاستثناء حين يمس القانون مصالحنا. لقد تغيرت الأدوات، لكن العقل الذي يستخدمها قد يبقى كما هو. ولذلك فإن امتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك الحداثة، كما أن تغيير النظام لا يعني تغيير الإنسان.

النهضة الحقيقية تبدأ عندما يتحول السؤال من “ماذا قال فلان؟” إلى “هل ما قاله صحيح؟”، ومن “من يحكمنا؟” إلى “كيف نمنع الحاكم من أن يصبح أكبر من الدولة؟”. تبدأ حين يصبح الاختلاف حقاً لا تهديداً، والنقد ضرورة لا إساءة، والخطأ احتمالاً إنسانياً لا جريمة، وحين يتعلم الإنسان أن يقول ببساطة: ربما كنت مخطئاً.

قد يسقط الطاغية في ليلة، لكن الطغيان يحتاج إلى سنوات كي يخرج من المدرسة والبيت واللغة والعلاقات والثقافة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع شخص يجلس في القصر، وإنما مع الفكرة التي تجعل الناس يحتاجون دائماً إلى شخص يجلس في القصر. وعندما يتغير هذا العقل، عندها فقط لا نكون قد غيرنا الحاكم، بل غيرنا جغرافيا الفكر نفسها.