سوريا واتفاقية مكة: من تحالف دفاعي إلى منظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك؟!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

قد يكون إعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تدرس الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك تطورًا يتجاوز في دلالاته مسألة إضافة دولة رابعة إلى الاتفاق الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان. فالسؤال الأهم ليس ما الذي ستضيفه سوريا عسكريًا إلى الدول الثلاث، وإنما ما الذي يمكن أن يفعله دخول سوريا بطبيعة الاتفاق نفسه: هل يبقى تحالفًا دفاعيًا بين مجموعة دول متقاربة، أم يبدأ بالتحول إلى نواة لمنظومة أوسع للأمن الشرق أوسطي المشترك؟
هذا السؤال مهم لأن سوريا ليست دولة بسيطة العلاقات والتحالفات. فهي تقع في نقطة التقاء عدد من دوائر الصراع والتنافس في الشرق الأوسط، وترتبط ملفات أمنها بتركيا والعراق ولبنان وإيران ودول الخليج، فضلًا عن الصراع مع إسرائيل. ولذلك فإن إدخال سوريا في الاتفاقية يعني إدخال جزء مهم من تعقيدات النظام الإقليمي نفسه إلى داخلها.
وهنا يمكن أن تظهر القيمة الحقيقية لاتفاقية مكة. فالتحالف التقليدي يقوم عادة على اجتماع دول متقاربة لمواجهة خصم مشترك، أما نظام الأمن الإقليمي فيقوم على فكرة أكثر تعقيدًا: جمع دول قد تختلف في مصالحها وعلاقاتها، ثم إنشاء قواعد ومؤسسات تمنع هذه الاختلافات من التحول إلى صراعات مسلحة.
ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون انضمام سوريا اختبارًا مبكرًا لمستقبل الاتفاقية.
فإذا كان المطلوب من سوريا، لكي تصبح عضوًا، أن تعيد تعريف علاقاتها الإقليمية على أساس الاصطفاف مع الدول الثلاث ضد إيران مثلًا، فسوف تبقى اتفاقية مكة تحالفًا ضمن نظام المحاور القائم. أما إذا استطاعت الاتفاقية استيعاب سوريا مع الإقرار بخصوصية علاقاتها ومصالحها، فإنها تكون قد بدأت الانتقال من منطق اصطفاف الحلفاء إلى منطق إدارة اختلاف الشركاء.
وهنا تبرز إيران بوصفها الاختبار الأكبر.
لقد ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة إشارات إيرانية متعددة تدعو إلى أن تتولى دول المنطقة مسؤولية أمنها بنفسها، وإلى الحوار والتعاون بين إيران والسعودية وتركيا وباكستان ومصر ودول الخليج. وإذا استطاعت اتفاقية مكة استيعاب سوريا من دون تحويلها إلى جزء من محور معادٍ لإيران، فإن السؤال المنطقي التالي سيكون: لماذا لا تكون إيران نفسها شريكًا في بناء النظام الأمني الأوسع؟
ليس المقصود بالضرورة أن تصبح إيران عضوًا فوريًا في بند الدفاع المشترك الثلاثي. فقد يكون ذلك غير واقعي في الظروف الراهنة. لكن يمكن إنشاء دوائر مختلفة للعضوية والمشاركة، بحيث تبقى هناك نواة دفاعية عميقة بين الدول المستعدة لذلك، وتوجد حولها دائرة أوسع للأمن الإقليمي تضم دولًا أخرى وتشمل منع الاعتداء، وتسوية النزاعات، وأمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وتبادل المعلومات، وبناء الثقة، ومنع سباقات التسلح.
وعند هذه النقطة يصبح دخول العراق ومصر بالغ الأهمية.
العراق يقع جغرافيًا وسياسيًا بين إيران وتركيا والخليج والعالم العربي، ولذلك يستطيع، إذا امتلك سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة، أن يكون جسرًا داخل المنظومة بدل أن يتحول إلى ساحة للصراع بين أطرافها. كما أن وجود العراق سيكون مهمًا في نزع الصفة المذهبية عن المشروع، لأن بناء منظومة تضم العراق وإيران إلى جانب السعودية وتركيا وباكستان سيجعل وصفها بأنها «تحالف سني» فاقدًا لمعناه السياسي.
أما مصر، فإن وزنها يتجاوز قوتها العسكرية إلى موقعها الجغرافي والسياسي الفريد. فهي تربط شرق المتوسط بالبحر الأحمر، وتسيطر على قناة السويس، وترتبط مباشرة بأمن فلسطين وليبيا والسودان والقرن الأفريقي. ومن الصعب تصور نظام مستقر للأمن الشرق أوسطي لا تكون مصر أحد أركانه الأساسية.
وبذلك يمكن تصور مسار تدريجي مختلف تمامًا عن مجرد توسيع حلف عسكري: السعودية وتركيا وباكستان تشكل النواة الدفاعية؛ دخول سوريا يختبر قدرة النواة على استيعاب التعقيدات الإقليمية؛ دخول العراق ومصر يوسع تمثيلها الجيوسياسي؛ ثم إيجاد صيغة لمشاركة إيران ينقل المشروع من توازن المحاور إلى الأمن الإقليمي المشترك.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب تغييرًا مهمًا في فلسفة التوسع. فلا ينبغي أن يكون السؤال: من يقبل الانضمام إلى الاتفاقية كما هي؟ بل: كيف يمكن تطوير الاتفاقية نفسها لكي تصبح قادرة على استيعاب دول مختلفة المصالح والتحالفات؟
وهذا يعني أن الاتفاقية، إذا أرادت التحول إلى نظام إقليمي، تحتاج تدريجيًا إلى مبادئ وقواعد مشتركة تتجاوز الدفاع العسكري: احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم استخدام القوة لتغيير الحدود، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، واحترام حرية الملاحة، وحماية الممرات الاقتصادية، ومكافحة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وإنشاء آليات دائمة للتشاور وإدارة الأزمات.
وبهذا المعنى، لا تكون قوة المنظومة في أنها تجمع دولًا متفقة أصلًا، بل في قدرتها على إبقاء الدول المختلفة داخل إطار واحد يمنع اختلافها من التحول إلى حرب.
وهذه النقطة جوهرية بالنسبة إلى مستقبل الشرق الأوسط. فقد استنزفت المنطقة عقودًا طويلة في بناء المحاور والمحاور المضادة، وكانت كل دولة تبحث عن أمنها ضد الأخرى، فكانت النتيجة أن أصبح أمن الجميع أقل. أما التحول الحضاري المطلوب فهو الانتقال من مفهوم الأمن ضد الآخر إلى مفهوم الأمن مع الآخر.
ولهذا قد تكون سوريا أهم من مجرد «العضو الرابع» المحتمل في اتفاقية مكة. فقد يصبح دخولها بداية اختبار تاريخي: هل تستطيع السعودية وتركيا وباكستان تحويل الاتفاق الذي أسسته إلى منصة أوسع تستوعب سوريا، ثم العراق ومصر، وتفتح في النهاية مساحة مؤسسية لمشاركة إيران؟
إذا نجحت في ذلك، فلن نكون أمام توسع اتفاقية دفاعية فحسب، وإنما أمام بداية تحول أعمق: من تحالف بين بعض دول الشرق الأوسط إلى منظومة تصنع فيها دول الشرق الأوسط أمنها المشترك بنفسها.




