السبت - 29 اغسطس 2026

رؤية قرآنية؛ فقه الكلمة في الخطاب الإسلامي (1-3) الخطاب الإسلامي85 [الحلقة الأولى: القول السديد… حين تصبح الكلمة مسؤولية..!

منذ ساعة واحدة
السبت - 29 اغسطس 2026

د. رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

 

🔗خصوصية المفردة القرآنية 85

🔻[الحلقة الأولى: القول السديد… حين تصبح الكلمة مسؤولية]
ليست الكلمة في المنظور القرآني مجرد وسيلة للتعبير عما يختلج في النفس، ولا مجرد أصوات تنتهي مهمتها بمجرد خروجها من فم المتكلم أو وصولها إلى أذن السامع.
#الكلمة مسؤولية☆
وقد تكون الكلمة أحيانًا أبلغ أثرًا من الفعل؛
فهي تصنع فكرة،
وتبني صورة،
وتوجه موقفًا،
وقد ترفع إنسانًا أو تهدمه،
وقد تحفظ حقيقة أو تشوهها،
وقد تكون جسرًا إلى الحق، أو منفذًا يتسلل منه الباطل.
ولهذا لم يترك القرآن الكريم قضية الكلام والقول للأذواق و الأهواء، بل وضع للمؤمن أدبًا قرآنيًا في القول، وأقام عليه مسؤولية دينية و أخلاقية ومعرفية.
ويكفي أن نتأمل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
[الأحزاب: 70-71]

🔻القول السديد… أكثرمن مجرد الصدق

اختار القرآن تعبيرًا بالغ الدقة:
﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
والسداد هو الاستقامة والإصابة، ومن ثَمّ فالقول السديد ليس مجرد كلام صادق في نية قائله، وإنما هو قولٌ:
مستقيمٌ في معناه،
دقيقٌ في تعبيره،
مناسبٌ في سياقه،
بعيدٌ عن الالتواء و التضليل.
#وهنا نصل إلى قاعدة أولى:
«ليس كافيًا أن يكون مقصدنا صحيحًا؛ بل ينبغي أن تكون عبارتنا صحيحة أيضًا.»
فقد يحمل الإنسان قضية عادلة، ويدافع عن حقيقة ثابتة، ثم يسيء التعبير عنها بلفظ جارح أو موهم أو قابل للتحريف.
وقد تكون نيته سليمة، لكن عبارته تفتح بابًا لسوء الفهم.
وقد يكون ما قاله صحيحًا في سياق معين، ثم يتحول بعد اقتطاعه من ذلك السياق إلى معنى آخر.
ومن هنا فإن المسؤولية عن الكلمة لا تتوقف عند سؤال: ماذا قصدت؟
بل تمتد إلى سؤال آخر:
ماذا يمكن أن يفهم من عبارتي؟
ثم إلى سؤال ثالث:
وما الذي يمكن أن يترتب على هذا الفهم؟

🔻القرآن يلفت النظر إلى «القول» كثيراً

والتأمّل في القرآن يكشف أن مسألة القول ليست حالة عابرة، بل تتكرر في سياقات متنوعة، وكأن القرآن يريد أن يربّي الإنسان على أن لسانه جزء من مسؤوليته الدينية.
يقول تعالى:
«﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
البقرة: 154»
وهنا لا يصح أن نختزل القضية في استبدال كلمة #«قتيل» بكلمة #«شهيد» بصورة آلية؛ فالسياق القرآني أعمق من ذلك.
إن القرآن يصحح الصورة التي يصنعها الوصف في الذهن.
فالشخص الذي قتل في سبيل الله ليس #«ميتًا» بالمعنى الذي يوحي بالعدم والفناء، بل هو حيٌّ عند ربه حياةً لا ندرك حقيقتها على نحوها الكامل.
وهكذا يعلمنا القرآن أن:
«الكلمة لا تصف الواقع فحسب، بل قد تصنع تصورًا عنه.»
وهذه قضية بالغة الأهمية في الإعلام؛ لأن اختيار الوصف قد يكون جزءًا من صناعة الصورة الذهنية لدى الجمهور.

🔻التثبُّت قبل الكلام

وفي سورة النساء يأتي توجيهٌ آخر:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا… فَتَبَيَّنُوا﴾
النساء: 94»
والتأمل هنا شديد الدلالة:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ثم ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾.
أي أن التثبت يسبق القول.
وهذه قاعدة يمكن أن يحتاج إليها الإعلام الإسلامي أكثر من أي وقت مضى:
«في الخطاب الإسلامي، لا ينبغي أن يسبق اللسانُ التثبتَ.»
☆فلا اتهام قبل التحقق،
☆ولا نسبة قول لأحد قبل التثبّت،
☆ولاخبرقبل التوثيق
☆ولا حكم قبل معرفة الوقائع.
وفي عصر السرعة، حيث تنتشر الأخبار في ثوانٍ، تصبح هذه الآية مبدأً إعلاميًا بالغ الأهمية.
وحين يكون الكلام عن الله؛تصبح المسؤولية أعظم
ثم يرفع القرآن سقف المسؤولية أكثر:
«﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
النساء:171»
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بحسن الأسلوب أو دقة التعبير فحسب، بل بالأمانة في نسبة القول إلى الله.
ولهذا يأتي التحذير الصريح:
*«﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾*
النحل: 116»
فليس من حق الإنسان أن يجعل لسانه مشرّعًا باسم الله.
ولا يجوز أن يتحول الرأي الشخصي إلى «حكم شرعي»، أو العادة إلى «حرام»، أو الاجتهاد إلى «قال الله»، أو الخبر غير الموثق إلى حقيقة دينية.
وهنا نصل إلى قاعدة أخرى:
*#«كلما اقترب الخطاب من نسبة القول إلى الله والدين، ازدادت مسؤولية المتكلم عن الدقة والتثبت.»*

🔻«لا تقولوا» أدب قرآني في صياغة الخطاب

إذا جمعنا هذه الآيات، نكتشف أن القرآن يرسم لنا منظومة متكاملة:
☆لا تقولوا ما يصنع تصورًا خاطئًا عن الحقيقة.
☆لا تقولوا حكمًا قبل التثبت.
☆لا تقولوا على الله إلا الحق.
☆ولا تنسبوا إلى الله حلالًا وحرامًا بلا علم.

ثم يأتي نموذج أكثر دقة وإثارة:
*«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾*
البقرة: 104»
وهنا يتدخل القرآن في اختيار مفردة بعينها.لماذا؟
فالمسلمون كانوا يستعملون *«راعنا»* في معنى مقبول عندهم، لكن اللفظ أصبح قابلًا للاستغلال والتحريف من قبل آخرين، فجاء التوجيه القرآني إلى تركه واستعمال لفظ آخر أوضح.
وهنا نصل إلى طبقة جديدةمن المسؤولية:
ليس فقط ماذا تقول، وإنما أي كلمة تختار لتقول ما تريد.
وهذه هي القضية التي سنفرد لها الحلقة القادمة.

🔻الكلمة حين تغادر سياقها

هذه المسألة أكثر أهمية في عصر الإعلام.فالكلمة اليوم لا تبقى بالضرورة في البيئة التي قيلت فيها.
قد تُقتطع من حديث طويل، أو تُحوّل إلى عنوان، أو تُترجم إلى لغة أخرى، أو تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي مجردة من سياقها، أو يعاد تركيبها في سياق لم يقصده صاحبها.
وقد تكون العبارة مفهومة تمامًا داخل بيئة ثقافية معينة، ثم تحمل لدى جمهور آخر دلالة مختلفة.
ولهذا ينبغي للإعلام الإسلامي أن ينتقل من مجرد التفكير في قصد المتكلم إلى التفكير أيضًا في مآل الخطاب.
فالمسؤولية لا تعني أن نخاف من الكلام، ولا أن نتنازل عن المفاهيم الإسلامية خشية سوء فهم الآخرين ،بل تعني أن نقدم الحقيقة بأفضل صياغة ممكنة.

🔻من قوة الحجة إلى سلامة العبارة

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر بالغ الأهمية.فالإعلام الإسلامي ليس بحاجة إلى لغة السباب والفحش حتى يكون قويًا.ولا يحتاج الدفاع عن الإسلام وأهل البيت ع إلى الشتيمة.و لا تصبح الحجة أقوى كلما كانت العبارة أكثر خشونة،بل إن قوة الحجة يمكن أن تجتمع مع جمال اللغة، والصرامة العلمية مع الأدب، والوضوح مع الاحترام.
ومن هنا نقول:
*«القوة في الخطاب ليست في خشونة العبارة، وإنما في قوة الحجة وسلامة البيان.»*
بل إن استعمال الألفاظ المسيئة قد يمنح الخصم مادة جاهزة لتقديم صورة مشوهة عن الخطاب الإسلامي، فيتحول صاحب القضية ـ من حيث لا يريد ـ إلى جزء من المشكلة التي يريد معالجتها.
👈🏽ورد في وصايا الرسول (ص): يا علي، حرّم الله الجنة على كل فاحش بذيء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له
[المصدر:مستدرك سفينة البحار، ج 8، ص 137 | النمازي، الشيخ علي]
وفي لفظ اخر(ان الله حرّم الجنة على كل فحّاش بذيء قليل الحياء).

من هنا يمكن أن نصل إلى مفهوم نحتاج إلى ترسيخه في الإعلام الإسلامي ومنصّات التواصل التي تطلق اللعنات والسباب والشتيمة بأن ذلك مناقض للخلق الاسلامي ومخالف لمنهج القرآن والسيرة النبوية.

🔻 فقه مآلات الكلمة

أي ألّا نسأل فقط:
هل هذه العبارة صحيحة؟
بل نسأل كذلك:

🔹هل هي دقيقة؟
🔹هل هي واضحة؟
🔹هل تؤدي المعنى دون التباس؟
🔹كيف يمكن أن يفهمها جمهور مختلف عن جمهورنا؟
🔹هل يمكن اقتطاعها من سياقها؟
🔹هل يمكن تحريفها أو توظيفها ضد المعنى الذي أردناه؟
🔹وهل يوجد تعبير آخر يؤدي المعنى نفسه بصورة أوضح وأقوم؟
وهذه ليست مبالغة في الاحتياط، بل امتثال لمبدأ قرآني عميق:
*﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾*

🔻من«القول السديد»إلى«راعنا»

وهكذا نكتشف أن القرآن لا يعالج الكلمة من زاوية واحدة.
☆فمرة يصحح المعلومة.
☆ومرة يأمر بـالتثبت قبل إطلاق الحكم.
☆ومرة يحذر من التقول على الله.
☆ومرة يصحح الصورة الذهنية التي يصنعها الوصف.
☆ومرة ـ كما في «راعنا» ـ يلفت النظر إلى المفردة نفسها، و إلى إمكان أن يستغلها الآخر في غير معناها المقصود.
وهذه المستويات مجتمعة ترسم ما يمكن أن نسميه:
*«فقه الكلمة في الخطاب الإسلامي»*
🔹فقهٌ يجعل الكلمة أمانة،
🔹ويجعل الدقة جزءًا من التدين،
🔹ويجعل التثبت سابقًا على النشر،
🔹ويجعل حسن اختيار المفردة جزءًاً من حماية المعنى،
🔹ويجعل المتكلم مسؤولًا ـ بقدر الإمكان ـ عن مآلات ما يضعه في أيدي الناس.
ولعل أجمل ما يلخص هذا المنهج أن نقول:
*«لا يكفي أن نقول ما نعتقد أنه حق؛ بل علينا أن نقول الحق باللفظ الذي يصونه من التحريف، ويقرّبه إلى الفهم الصحيح، ويحُوْل ـ ما أمكن ـ دون أن تتحول لغتنا نحن إلى مادة للطعن في الحقيقة التي ندافع عنها.»*
وهنا تأتي قصة *#«راعنا»* بوصفها نموذجًا قرآنيًا فريدًا.
فلماذا نهى الله المؤمنين عن كلمة كانوا يستعملونها؟
وما الذي كان يفعله الآخرون بهذه الكلمة؟
ولماذا لم يكتفِ القرآن بالنهي، بل أعطى البديل: *﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾* ؟
وهل يمكن أن نستخرج من هذا التوجيه القرآني قاعدة للإعلام الإسلامي في عصرنا؟
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في الحلقة الثانية.
*«راعنا»* عندما يصبح اختيار المفردة جزءًا من حماية الخطاب الديني.
♻️يتبع لاحقا