الخميس - 27 اغسطس 2026

دماء على أرض “كرارة” معايير مزدوجة وصمت مطبق حين تكون الجريمة خارج “السيناريو” المرسوم..!

الخميس - 27 اغسطس 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

تتكسر هيبة الدولة وتتوارى أحكام القضاء العادلة خلف صدمة التواطؤ السياسي والمناطقي، بينما ينكشف الوجه الحقيقي لازدواجية المعايير التي تحكم المشهد العراقي اليوم. وما جرى في أراضي “كرارة” من جريمة إرهابية نكراء راح ضحيتها العميد قائد فريق الإزالة وعدد من منتسبيه الأبطال على أيدي متجاوزين ومحميين بعباءة سياسية وفصائلية سنية، يكشف بوضوح عن انتقائية مفضوحة في التفاعل مع دماء العراقيين؛

فلو كان القاتل أو المتجاوز ينتمي إلى الحشد الشعبي أو الفصائل المقاومة، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولارتفعت أصوات الفضائيات، ولعجت منصات التواصل الاجتماعي بحملات التنديد والاستنكار، ولتحركت المنظمات والنشطاء لقرع أجراس الإنذار ضد ما يسمى بـ “هيمنة السلاح المنفلت”. أما عندما يكون الجاني ينتمي إلى حاضنة سياسية وفصائلية سنية، ويستظل بمظلة متنفذين ومحاصصين يحمون التجاوزات لأسباب انتخابية، فإن الصمت المطبق يصبح سيد المكان، ويلف الطنين ألسنة النشطاء والسياسيين وكأن شيئاً لم يحدث!

تعود فصول القضية إلى أرض “كرارة”، وهي ملك صرف مفرزز أصولياً بأسماء منتسبي الفرقة الخاصة وموظفي الرئاسات الثلاث. هذه الأرض التي تمثل حقاً شرعياً وقانونياً ثابتاً لأصحابها، تعرض نصفها لاحتلال سافر وتجاوز غير أخلاقي من قبل أشخاص جُلبوا من مناطق اللطيفة والطارمية، بل وتعدى الأمر ليطال حتى وجود عوائل وأفراد من الجنسية السورية وجنسيات أخرى ممن تورطوا في التجاوز على هذه الأملاك وبناء “الحواسم” فيها دون وجه حق. ولم يكتفِ هؤلاء باغتصاب الملك العام والخاص، بل مارسوا أبشع أساليب البلطجة والابتزاز، طالبين نصف قيمة الأرض من أصحابها الشرعيين مقابل تركها، في استهتار سافر بالقانون والأعراف.

أمام هذا الصلف، سلك أصحاب الحقوق الطرق القانونية المشروعة، وبعد سنوات من الصبر والمطاردة القضائية، نالوا أحكاماً قطعية تقضي بإزالة التجاوزات واسترداد أملاكهم. وهنا بالذات بدأت المؤامرة الحقيقية؛ إذ تم تعطيل تنفيذ قرارات القضاء بأوامر مباشرة من شخصيات ومتنفذين ينتمون إلى أحزاب وفصائل سياسية سنية، وهي لعبة بدأت فصولها منذ حكومة الكاظمي واستمرت حتى يومنا هذا، حيث حوّل هؤلاء الساسة أراضي الناس إلى إقطاعيات انتخابية تضمن أصوات المخالفين على حساب معاناة الملاك الأصليين المحرومين من السكن.

ولم يتوقف العبث عند هذا الحد، بل ظهرت شبكات من الدلالين والسماسرة الذين استغلوا يأس بعض الملاك بعد أن أعياهم تعطيل القرارات؛ فعمدوا إلى شراء السندات في مناطق التجاوز بأسعار زهيدة، ليقوموا ببيعها لاحقاً للمتجاوزين بأسعار فلكية تقارب أسعار الأراضي النظامية التي تصل فيها قيمة القطعة إلى نحو ثلاثمائة مليون دينار عراقي، في عملية سمسرة وقحة تتاجر بمقدرات المواطنين.

أما الملاك الذين تمسكوا بحقهم الشرعي ورفضوا التنازل عن سنداتهم لشدة حاجتهم للسكن، فقد اصطدموا بتعنت دموي. فعندما تحركت القوة الأمنية أخيراً لفرض هيبة الدولة وتطبيق قرار القضاء بالإزالة، واجهتها أيدي المتجاوزين المدعومين سياسياً بالنار والحديد، لترتكب جريمة اغتيال بشعة بحق العميد أمر فريق الإزالة ورفاقه الأبرار، وهم الذين خرجوا لتأدية واجبهم القانوني.
إن التخاذل الفاضح في إدانة هذه الجريمة، والهروب نحو الصمت من قبل الجهات التي طالما ملأت الدنيا صراخاً عند وقوع أي حادثة أخرى، يثبت أن الدم العراقي مستباح بحسب الهوية السياسية والمناطقية للقاتل والضحية. إن دماء الشهيد العميد ومنتسبيه تضع الجميع أمام اختبار أخلاقي ووطني صارخ: فإما أن يُقتص من القتلة ومن يحميهم بغض النظر عن انتماءاتهم، وإما أن يسقط ما تبقى من شعارات العدالة والحياد في دولة تُقاس فيها حرمة الدم بميزان المحاصصة والمجاملات السياسية.

ضياء ابو معارج الدراجي