حين تُعلن طهران أنها ليست معنية بقضايا العرب..!
عباس سرحان ||

“أعلنت الخارجية الإيرانية أن الجمهورية الإسلامية أعادت التموضع فيما خص الصراع الفلسطيني، وأنها لم تعد معنية به لأن العرب هم أصحاب الشأن فيه، وأنها دفعت منذ عقود ثمناً باهظاً لنصرة القضية الفلسطينية لكنها فوجئت أنها تواجه إسرائيل والغرب والعرب والمسلمين الذين اصطفوا إلى جنبها، لهذا لم تعد مبررات تدخلها في هذا الصراع متاحة، وانها تعتذر من العرب لأنها تدخلت لنصرتهم”.
تخيّل لو أن إيران أصدرت فعلاً هذا البيان، فما الذي سيحدث حينها؟ ستهتز المنطقة من أقصاها إلى أقصاها. فالحكومات العربية المعادية لإيران ستجد نفسها أمام مأزق وجودي.
فهي قد بنت خطابها لعقود على شيطنة إيران واتهامها بالتدخل في الشؤون العربية، واستخدمت “الخطر الفارسي” ذريعة للتقارب مع إسرائيل والتطبيع معها. فإذا انسحبت إيران من المعادلة، ماذا سيقول هؤلاء لشعوبهم؟ ستنكشف خياناتهم وتطبيعهم، وستتحول الأنظار إلى الداخل العربي المثقل بالإخفاقات والفشل.
أما الشاشات التي عاشت خمسين عاماً على وقود “الخطر الإيراني” كالجزيرة والعربية وسكاي نيوز عربية، فلن تجد بعد اليوم مادة تحريضية كالتي كانت تبثها، ولن تجرؤ – في غياب الشمّاعة الإيرانية – على الاقتراب من إسرائيل بحرفٍ واحد، لذا لن يبقى أمامها سوى استبدال نشراتها السياسية بأفلام الرسوم المتحركة، وستمتع مشاهديها بأفلام “توم وجيري” وتتخلى عن الشعارات والتعبئة.
أما أمريكا وإسرائيل فستحتفيان بالبيان احتفاءً عاصفاً. سيصفه ترامب بأنه “عرس شرق أوسطي”، وسترفع العقوبات، وتعود الشركات الكبرى إلى إيران، وتُمنح كل ما حلمت به من حقوق تجارية وصناعية، وتعود كما كانت في زمن الشاه سيدة للخليج، يقبّل حكام العرب يدها، طالما أن علاقتها مع الأمريكي طبيعية ولا تستهدف الإسرائيلي.
الحقيقة المرة أن إيران دفعت ثمناً باهظاً بسبب موقفها الداعم لفلسطين وحركات التحرر العربية. شُطبت تقريبا من المنظومة الدولية، وفُرضت عليها عقوبات خانقة، وقُتل قادتها وعلماؤها. والأدهى أنها شُتمت من العرب والفلسطينيين أنفسهم، ووُصفت بالطائفية والعنصرية منذ اللحظة التي أسقطت علم إسرائيل من سفارتها في طهران ورفعت علم فلسطين بدلاً منه.
ولو كان لي سبيلٌ إلى صنّاع القرار في طهران، لطلبتُ منهم فعلاً إصدار هذا البيان، لا عن قناعةٍ بصوابه، بل لأنه أقصر طريقٍ لكشف حقيقةٍ ظلت متوارية. فهذه أمّة، على ما يبدو، لا تُحسن معنى التحرر ولا تطلبه.
تمنح أرضها وقرارها وتوزّع ثرواتها هدايا ومنحاً على من يشتمها صباح مساء، أمّةٌ ممزّقة الصفوف في كل قضية إلا في قضيةٍ واحدة تجمعها وتوحّد صفّها، مواجهة “الخطر الفارسي”.
فما الذي جنته إيران من دعمها لقضايا هي ليست قضاياها أصلاً؟ وما الذي ستخسره لو تخلّت عنها وألقت بمقاديرها في رقاب أصحابها الحقيقيين؟
لتقل لهم بمنتهى الوضوح: هاكم زمام قضاياكم، علّقوه في أعناقكم، وانتصروا لشرفكم بأنفسكم إن استطعتم، وأنا سأكتفي بالتفرج!




