الخميس - 27 اغسطس 2026

موازنة البرامج: المعركة ليست مع الأرقام… بل مع عقلية الإدارة..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 27 اغسطس 2026

المهندس علي جبار
مختص بادارة الازمات

 

 

العراق أمام اختبار التحول من حكومة تُدير البنود إلى دولة تُدار بالنتائج والكفاءة

الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء ليس مجرد تغيير في طريقة إعداد الموازنة، بل يمثل تحولاً في فلسفة إدارة الدولة؛ إذ ينقل العمل الحكومي من التركيز على حجم الإنفاق وبنود الصرف إلى ربط الموارد بالأهداف، وقياس الأداء، ومتابعة النتائج والأثر الاقتصادي والاجتماعي.
التحدي الحقيقي أمام العراق لا يكمن في تصميم النظام المالي أو إدخال الأدوات التقنية، بل في قدرة الدولة على بناء عقلية إدارية جديدة. فموازنة البرامج تحتاج إلى إدارات عليا تمتلك مهارات التخطيط الاستراتيجي، تحليل البيانات، إدارة الموارد، والمساءلة على النتائج، وليس فقط الالتزام بالإجراءات والصرف.
كما أن نجاح هذا التحول يتطلب استكمال البنية الرقمية للمالية العامة من خلال أنظمة مثل GFMIS التي تربط التخطيط، التنفيذ، الرقابة، والتقارير المالية ضمن منظومة موحدة، وتوفر بيانات دقيقة لصناعة القرار ورفع كفاءة الإنفاق العام.
وقد نجحت دول مثل نيوزيلندا، المملكة المتحدة، السويد، النرويج وكوريا الجنوبية في تطبيق نماذج ترتكز على الأداء والنتائج، لأن التحول لم يكن مالياً فقط، بل رافقه إصلاح في الإدارة الحكومية وطريقة تفكير القيادات التنفيذية.
وكما أكد بيتر دراكر، فإن الإدارة الحديثة لا تُقاس بكمية الموارد التي تستهلكها المؤسسات، بل بما تحققه من نتائج وقيمة مضافة. لذلك فإن السؤال الأساسي في العراق ليس: هل يمكن تطبيق موازنة البرامج؟ بل: هل تمتلك الدولة العقول التنفيذية القادرة على إدارة هذا التحول؟
أبرز تحديات تطبيق موازنة البرامج في العراق:
• المقاومة السياسية لتنظيم الإنفاق: نتيجة تعارض منهج البرامج مع بعض أنماط الإنفاق القائم على المصالح السياسية والتعيينات والمشاريع غير المرتبطة بالأولويات الوطنية.
• ضغوط إدراج مشاريع جديدة: في ظل محدودية الموارد والحاجة إلى توجيه الإنفاق الاستثماري نحو المشاريع المستمرة ذات الجدوى بدلاً من تشتيت الموارد.
• التحديات المالية مع إقليم كردستان: الحاجة إلى نظام مالي موحد يعتمد البيانات الدقيقة والربط الرقمي لضمان احتساب الإيرادات والنفقات وفق معايير واضحة.
• الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي: إذ إن تطبيق موازنة البرامج يتطلب تحديث القوانين والأنظمة المالية بما يتناسب مع الإدارة القائمة على الأداء.
• مخاطر المناقلات المالية: حيث قد تؤدي التعديلات غير المدروسة إلى إعادة توجيه الأموال من البرامج الإنتاجية إلى نفقات تشغيلية قصيرة الأجل.
• ضعف الرقابة القائمة على النتائج: فالرقابة الحديثة يجب أن تنتقل من تدقيق المستندات فقط إلى تقييم المخرجات والأثر.
• تحدي المرحلة الانتقالية: إدارة نظامين ماليين في وقت واحد بين موازنة البرامج والموازنة التقليدية قد يخلق فجوات تحتاج إلى قيادة تنفيذية قوية.

القراءة الختامية لهذا التوجه..
موازنة البرامج ليست مشروع وزارة مالية فقط، بل مشروع إصلاح دولة. فالأداة المالية وحدها لا تصنع النجاح؛ النجاح يبدأ من نوعية القيادات التي تدير الدولة، وقدرتها على الانتقال من ثقافة الصرف إلى ثقافة الإنجاز، ومن إدارة الموارد إلى صناعة النتائج.