الخميس - 27 اغسطس 2026

بين الشعب والقائد.. قراءة في مضامين الخطاب ورسائل الحشود..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 27 اغسطس 2026

إبراهيم محمد الهمداني ||

 

براهيم محمد الهمداني

 

 
تتجدد احتفالات الشعب اليمني، بذكرى المولد النبوي في كل عام، وتتنامى معها صورة الوعي الجمعي، الذي يمتاز بحالة صحية متقدمة جدا، فهي تسير إلى الأمام في مسار تصاعدي، يمثل طبيعة تزايد الوعي بشكل كبير، بما يعكس حقيقة تنامي الاستجابة الجمعية، ومسارعة أبناء المجتمع اليمني، إلى الالتفاف حول نبيهم الأكرم – محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وإعادة ارتباطهم به، على قاعدة الانتماء الروحي والوجداني والفعلي، وعلى مبدأ الهوية اليمنية الإيمانية، وشرط الاختصاص بفضل السبق وشرف المسؤولية، وقيم الإيثار والتضحية والبذل، وصولا إلى إحياء أولية الاستشهاد في سبيل الله تعالى، إكراما لنهج الأجداد الأوائل؛

أمثال أسرة آل ياسر وغيرهم، وهو ما تؤكده أعداد الحشود الجماهيرية المليونية، المتزايدة والمتعاظمة عاما بعد عام، حيث يتكرر وصف مشاهد الحشود – في كل عام – بأنها حشود مليونية غير مسبوقة، ولكن ما إن تأتي الذكرى الشريفة في العام التالي، حتى تغص الساحات بملايين اليمنيين، بحشود جماهيرية عظيمة تفوق حشود الأعوام السابقة، بأضعاف مضاعفة، ليدل ذلك على تنامي الوعي الجماهيري، وسرعة استجابة الذات اليمنية لدعوة الله ورسوله، وقدرتها على استعادة هويتها وأصالة انتمائها الإيماني.

أحيا اليمنيون ذكرى المولد النبوي، في هذا العام 1448هـ، بحشود مليونية مهيبة غير مسبوقة مطلقا، فاقت كل التوقعات وتجاوزت أقصى التقديرات المسبقة، حيث خرج ملايين اليمنيين إلى ميدان السبعين، في صنعاء المنورة، عاصمة الرسول الأكرم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بالإضافة إلى أكثر من 20 ساحة مركزية، توزعت على 13 محافظة يمنية، بحشود مهيبة غير مسبوقة، وكان للحشد الجماهيري في ميدان السبعين – صنعاء حضور خاص، حيث يعد الأول من نوعه، على مستوى المنطقة والعالم، وفيه جدد اليمنيون عهدهم وبيعتهم للرسول الأكرم – صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله – من خلال حفيده سماحة السيد القائد/ عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، مؤكدين المضي على نهج أجدادهم الأنصار، ومواصلة الدور والمهمة والتكليف الإلهي، محليا وإقليميا وعالميا، دون خوف أو تراجع أو تردد، معلنين التسليم المطلق لقائدهم حفيد المصطفى، والسمع والطاعة فيما وجَّه وأمر.

قدمت الحشود المليونية في جميع الساحات، صورة مهيبة ومشرفة، تليق بمكانة ومهمة الرسول الأعظم، الرسالية والحضارية والإنسانية، ويمكن القول إن احتشاد اليمنيين اليوم في ذكرى مولده الشريف، كان احتشادا حول شخصه الكريم، وإحياء نهجه الرسالي عقيدة وسلوكا، وتجديدا لبيعتهم ووفاء لتكليفهم الإلهي، في إيوائه ونصرته وتعظيمه، وإنفاذ رسالته المقدسة إلى المجتمعات البشرية قاطبة، واستكمال مهمة إنقاذ وخلاص البشرية، من هيمنة قوى الشر والطاغوت، وبذلك تنعكس طبيعة عالمية الرسالة، على طبيعة المهمة والدور اليمني، حيث تبرز عالمية الدور اليمني، في طبيعة تعاطيه مع قضايا أمته الإسلامية إقليميا، وموقفه من قوى الطاغوت والاستكبار عالميا، ورفضه ومحاربته مشاريع استعباد وقهر الإنسان، في جميع بلدان العالم، وسعيه إلى إعادة المجتمعات الإنسانية، إلى فطرتها الأولى، وإحياء مكامن الخير في النفوس، وربطها بخالقها وأنبيائها، لما فيه عزتها وكرامتها وسعادتها، وتمكينها من القيام بدورها في الحياة، واستحقاق شرف الاستخلاف الإلهي العظيم، والفوز برضوان الله تعالى في الدنيا، وفي مستقبلهم الأبدي في الآخرة.

اتخذ الدور اليمني مسارا تصاعديا، تجاوز الهموم والمعاناة والمشاكل الذاتية، والمصالح والأهداف الشخصية، ليصل إلى تبني القضايا العربية والإسلامية والدفاع عنها، في سياقيها القومي والإسلامي، ولم تحُل معاناة الشعب اليمني التراكمية، الناتجة عن العدوان والحصار السعودي الأمريكي، على مدى إثنى عشر عاما، دون أن يتنصر لقضية الأمة الإسلامية المركزية، ولم تثنه الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، والمؤامرات العالمية ضده على مختلف المستويات والأصعدة، عن التدخل العسكري المباشر لإسناد غزة، بعد تعرضها لأبشع عدوان صهيوأمريكي عالمي، وأقسى حرب إبادة شاملة، على امتداد تاريخ البشرية، الأمر الذي جعل اليمن – جيشا وقيادة وشعبا – يدخل هذه الحرب العالمية الشرسة بكل قوة، إلى جانب إخوانه مستضعفي غزة، ضد الكيان الإسرائيلي الغاصب، وحلفائه من أمريكا وأوروبا والغرب الكافر، ومن معهم من منافقي الأعراب وحثالات البشرية.

رغم بُعد المسافة جغرافيا، وتفاني منافقي الأعراب في حماية الكيان الغاصب، إلا أن العمليات البرية والبحرية، وضربات الصواريخ والمسيرات اليمنية، كان لها عظيم الأثر وأبلغ الفعل، في الحد من وحشية وإجرام العدو الصهيوني، وممارساته الوحشية الانتقامية الإجرامية، وإرغام كيان العدو الصهيوني وحلفائه، على إيقاف حرب الإبادة الشاملة بحق أبناء قطاع غزة، حيث كان هذا هو شرط إيقاف العمليات العسكرية اليمنية، التي استمرت في مسار تصاعدي فاعل، ولم تتوقف إلا بعد تحقق شرطها، وهو إيقاف العدوان والحرب والحصار عن غزة، رغم ما قدمه اليمن من جليل التضحيات، وعظيم القرابين والشهداء من خيرة أبنائها، من القادة الكرام والمجاهدين الأبرار.

ولم يكن موقف اليمن – إقليميا – إلى جانب لبنان وحزب الله، في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي، بأقل من موقفه السالف مع غزة، وكذلك كان موقفه عظيما ومشرفا، في إسناد الجمهورية الإسلامية في إيران، ضد العدوان الإجرامي الأمريكي الإسرائيلي، وهو موقف متقدم إقليميا وعالميا، ليؤكد اليمن بذلك – قيادة وجيشا وشعبا – وقوفه إلى جانب الأمة العربية والإسلامية، وانتصاره لقضاياها المركزية العادلة، معلنا – بكل قوة وثبات – عن وحدة ساحات الجهاد والمقاومة، وتكريس خيار الجهاد والقوة، في مواجهة أعداء الله والإنسانية، بوصفه الخيار الأمثل والأصوب والأصلح، في مواجهة هذا العدو الموغل في التوحش والتطرف، في منظومته الإجرامية الإسرائيلية الأمريكية الصهيونية العالمية، وتموضعه السرطاني الغاصب، المسنود بمنافقي الأعراب وقطعان التطبيع، خريجي جزيرة أبستين الصهيوني المجرم.

وصل الدور اليمني الريادي ذروته، كما مثَّلته مضامين ورسائل خطابات السيد القائد، ودعواته المتكررة لشعوب أوروبا والغرب عامة، إلى العودة إلى كلمة الله سبحانه وتعالى، وإلى دعوة أنبيائهم وتعليماتهم وشرائعهم السمحة، وعدم الانسياق وراء أنظمتهم الحاكمة التابعة للصهيونية مطلقا، وخطورة ذلك على مستقبل الشعوب في الآخرة، علاوة على ما يلحقهم من العار والانحطاط، بسبب الخضوع للمشروع اليهودي الصهيوني، الذي أفقدهم شرفهم الإنساني، وسلبهم كرامتهم وعزتهم وقيمتهم الوجودية، وأسقطهم في تمثيل وتجسيد حياة الحيوانات، كاشفا بذلك عن عقيدته العنصرية المتطرفة، بأن جميع البشر من غير اليهود هم عبارة عن حيوانات، خلقوا على هيئة بشرية، ليستأنس بهم اليهود فقط، وهو ما يثبت – بما لا يدع مجالا للشك –أن اليهود هم أعداء البشرية جمعاء، وأن حلفاءهم أرباب ورواد المسار الحضاري، في أوروبا والغرب عامة، ليسوا بمنأى عن النظرة العنصرية، والموقف المعادي لغير اليهود مطلقا. 

وفي ذات السياق اندمجت رسائل السيد القائد – يحفظه الله – في كلمته المتلفزة المباشرة بهذه المناسبة لهذا العام 1448هـ، مع رسائل الحشود المليونية الشعبية، في مستوياتها الثلاثة وأبعادها الاستراتيجية التكاملية، المتجلية في دلالات مضامين ورسائل كلمة السيد القائد، التي جاءت كترجمة سياسية وعسكرية دقيقة، لهذا الزخم البشري الطوفاني المتعاظم، بما حملت من رسائل بالغة الحسم والوضوح، للمحيطين الإقليمي والدولي، في مختلف الجوانب والقضايا الراهنة؛ فعلى المستوى الإقليمي، وخاصة ما يتعلق بمسألة تثبيت معادلة “وحدة الساحات”، كأمر حتمي لا تراجع عنه، أكد السيد القائد – يحفظه الله – بشكل قاطع، على ثبات الموقف الإيماني والمبدئي لليمن، في الانتصار للقضية المركزية، ونصرة فلسطين وغزة، والوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران، والمقاومة الإسلامية في لبنان والعراق، وبهذا أسقط السيد القائد – يحفظه الله – محاولات قوى العدوان والاستكبار الدولية والإقليمية، الساعية لعزل اليمن عن محيطه، أو مساومته بملفات داخلية؛ مثل المرتبات أو فتح المطارات والموانئ، مقابل التخلي عن إسناد القضية الفلسطينية والمقدسات، وقوى محور الجهاد والمقاومة خاصة، وجميع المستضعفين في أنحاء الأرض عامة، وهو ما يكشف بجلاء حقيقة موقف اليمن، تجاه قوى الهيمنة والاستكبار عموما، وتجاه العدو الصهيوني على وجه الخصوص، بأنه موقف بنيوي وعقائدي ومبدئي، يرفض مشاريع الهيمنة والاستبداد، وينتصر لقضايا الأمة والإنسانية، ولا يخضع للمقايضات السياسية أو الصفقات الجزئية، خاصة وأنه قد أصبح رقما صعبا، في معادلة الصراع العالمي.

كذلك حملت مضامين خطاب السيد القائد، رسائل شديدة اللهجة إلى النظام السعودي، محذرا من عواقب استمرار “مملكة قرن الشيطان”، في نهجها العدائي تجاه الشعب اليمني، مشيرا إلى معادلة انتزاع الحقوق بالقوة، في سياق الرد اليمني، مؤكداً أن الشعب اليمني لن يظل متفرجاً، على استمرار الحصار الممنهج والابتزاز الاقتصادي، مشدداً على ضرورة استخدام القوة و”الشدة في مواجهة الكافرين” والظالمين، تجسيدا لصفات “محمد رسول الله والذين معه”، في كونهم “أشداء على الكفار”، وتلك هي الشدة المطلوبة في ردع الكفار والظالمين، وبهذا يعلن  السيد القائد صراحة، أن اليمن ماضٍ في “انتزاع حقوقه المشروعة”، بالقوة والتوكل على الله تعالى، إذا استمر النظام السعودي في تعنته ومماطلته، ووقوفه في الخندق الأمريكي الصهيوني، واضعاً المنشآت الاقتصادية والحيوية السعودية، في دائرة الاستهداف المباشر، كخيار مشروع ومسموح به شعبياً وإلهياً، ضمن معادلة #الحصار_بالحصار و #التصعيد_بالتصعيد الشامل.

وعلى المستوى العالمي؛ حمل خطاب السيد القائد، مضامين ودلالات  قائمة على تعرية وتفكيك، صورة وحقيقة المشروع الأمريكي الصهيوني، وإسقاط هيمنة الطاغوت والاستكبار العالمي، حيث أكد السيد القائد على أن أمريكا وإسرائيل، تمثلان “الامتداد الظلامي للمنحرفين”، أعداء الله ورسله والإنسانية جمعاء، ويجسدان الانسلاخ عن القيم الفطرية، وأنهما يسعيان عبر مشاريع “تغيير الشرق الأوسط”، وإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، إلى استباحة المنطقة برمتها، وبهذا المستوى من الطرح، يسعى الخطاب إلى صناعة وعي سياسي جمعي شامل، على مستوى الأمة الإسلامية بأكملها، محذراً الأنظمة الحاكمة المطبعة والمترددة، من خطورة وتداعيات مواقفها المخزية، وأن الصمت والتخاذل والتواطؤ، لن يحميها من الأطماع الصهيونية، لتدل هذه الرسالة السياسية الإقليمية، على أن يمن المشروع القرآني، بات يمتاز بفهم عال ورؤية متقدمة، لطبيعة ومآلات الصراع العالمي، أصبح قادرا من خلالها على تجاوز التهديدات الغربية، وصياغة معادلة ردع إقليمية وعالمية كبرى، بالتعاون مع شركائه في محور الجهاد والمقاومة، لإسقاط هيمنة قوى الاستكبار العالمية، وحماية مقدسات الأمة وثرواتها، وصياغة صورة المستقبل المشرق بالإسلام، بعد سقوط واندحار تلك القوى الظلامية الشيطانية. 

إن القراءة الكلية للمشهد اليمني في تعالقاته، تؤكد وجود تلاحم بنيوي كبير، بين الشعب والسيد القائد؛ فبينما ترسم الحشود الجماهيرية المليونية، مشاهد الالتفاف الشعبي العارم، في إطار التسليم المطلق والبيعة المتجددة والتفويض الكامل، من خلال احتشاد تلك القوة البشرية المتعاظمة، والجاهزة للتحرك الفعلي في الميدان، يأتي خطاب السيد القائد يحفظه الله، برسائله المتعددة ومحمولاته الدلالية المختلفة الأبعاد، مستهدفا وعي الأمة الإسلامية، وموجها تلك الطاقة الجماهيرية الهائلة، نحو أهداف بنيوية سياسية وعسكرية محددة، سواء ذات المسار الآني، في سياق المواجهة الإقليمية ضد العدو السعودي ومرتزقته، أو ذات المسار الاستراتيجي، في سياق الردع العالمي ضد قوى العدوان الأمريكي الإسرائيلي وحلفائهما، بما يجسد حقيقة المسؤولية الجمعية، المتناغمة مع طبيعة التكليف الإلهي.

يمكن القول إن المضمون العام الجامع، لرسالة المولد النبوي الشريف، الصادرة عن الشعب والقائد، إلى المحيطين الإقليمي والدولي، تؤكد أن اليمن قد استلهم من هذه الذكرى المباركة، طبيعة دوره المحوري ومهمته المستقبلية الأساس؛ إذ لم تعد مهمته منحصرة في الدفاع عن وجوده فحسب، ولن يظل حبيس معاناته الخاصة، ولن ينساق في دوائر الصراعات الجزئية، التي ترسمها قوى الشر والاستكبار العالمي، وإنما هو الآن صاحب مهمة عالمية، ومكلَّف بمسؤوليات إنسانية كبرى، وعليه أن يستكمل دوره الريادي، الذي بدأه أجداده الأنصار مع النبي الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خاصة بعد ما منَّ الله سبحانه وتعالى عليه، بنعمة القيادة الربانية المحمدية الرسالية، وبعد ما مكَّنَه من أسباب القوة ومقومات التفوق والنصر الموعود، وبعد أن أصبح – بفضل الله ونعمة القائد العلم – رقماً استراتيجياً صعباً، وقوة إقليمية وعالمية فاعلة، قادرة على قيادة مسار تحرير الأمة، وصناعة مستقبل الإسلام والإنسانية، بالتعاون والتكامل مع قوى محور الجهاد والمقاومة، في إطار تمسكها بثوابتها القيمية، وأصالة هويتها اليمنية الإيمانية، ونهج مسيرتها القرآنية العظيمة، وصولا إلى تحقيق النصر الكامل، ودحر قوى الظلام والطغيان الشيطانية، إلى غير رجعة، بحول الله وقوته وتمكينه، وما النصر إلا من عند الله.