قصة رجل بدأها يتيماً وانتهى شهيداً..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)
لم تكن حياة الشهيد ودود محمد كاظم حياةً عادية، فقد بدأها يتيم الأبوين، وكأن القدر أراد أن يختبر قلبه منذ سنواته الأولى ، عاش طفولته في كنف خاله، وتعلم مبكراً أن الحياة لا تمنح أبناءها جميعاً الطريق ذاته، وأن بعض الرجال يُجبرون على أن يكبروا قبل أوانهم.
وفي عام 2001 تزوج ودود، وبدأ يبني عالمه الصغير الذي لطالما افتقده، رزقه الله ثلاثة أبناء: علي، رانيا، و مريم، فأصبح لهم الأب الذي حُرم هو من وجوده في طفولته، وصار البيت بالنسبة إليه أكثر من جدران، كان وطناً صغيراً يحتضن أبناءه و يحلم لهم بمستقبل أفضل ،كان يعمل كاسباً، يعيش حياة بسيطة، حتى جاءت مرحلة الأحتلال الأمريكي للعراق، فأختار طريقاً مختلفاً، وانخرط في مقاومة الاحتلال، بدأ نشاطه بالمشاركة في عمليات استهدفت القوات الأمريكية، وعُرف بإعداد و زرع العبوات الناسفة، كما شارك في مواجهة هجمات تنظيم القاعدة الإرهابي ،ومنذ ذلك الوقت، لم يعد ودود يملك رفاهية الحياة الطبيعية، صار البيت الذي يفترض أن يكون مأمناً لعائلته محطةً مؤقتة، وصارت الطرق التي يسلكها محفوفة بالملاحقة و الخطر.
وبأمر من الحاج المجاهد جواد الطليباوي، تنقلت عائلته بين مناطق مختلفة من بغداد، من مدينة الشعب إلى مدينة الصدر و شارع فلسطين و بغداد الجديدة، وغيرها من البيوت التي اضطروا إلى الانتقال إليها تباعاً بسبب ملاحقة القوات الأمريكية له، حتى أسمه أصبح سراً، لم يكن رفاقه ينادونه بأسمه الحقيقي عبر الهاتف، بل كانوا يستخدمون أسم (أحمد) احتياطاً و حذراً، لأن كلمة واحدة كانت يمكن أن تقود إليه، ولأن الخطر لم يعد بعيداً عن بيته، بل صار يرافقه في تفاصيل يومه،
وكانت حياته شديدة التعقيد، فالبيت الذي تسكنه عائلته كان يقسم إلى قسمين، قسم لعائلته و قسم تخزن فيه الاسلحة و المواد المستخدمة في إعداد العبوات و كان يشرف بنفسه على صناعتها و تجهيزها، كان يعيش بين عائلته و واجبه بين أب يريد أن يرى أبناءه يكبرون أمام عينيه، ورجل يرى أن عليه أن يواصل طريقه مهما كان الثمن .
ومع اشتداد الملاحقة و صعوبة الحركة داخل بغداد، انتقل عام 2008 إلى محافظة ذي قار، إلى سوق الشيوخ، حيث كان أعمامه و أخوه الأكبر بإسم محمد يقيمون هناك، ترك عائلته عند أخيه، ثم عاد إلى بغداد، لأن المسافة بين الأب و أبنائه لم تكن أقوى من إحساسه بالمسؤولية التي اختارها لنفسه ،ومنذ ذلك الحين أصبح يتنقل بين بغداد و الناصرية كل أسبوعين أو ثلاثة يحمل في قلبه صورة زوجته و أطفاله، ويعود إلى بغداد ليواصل حياته التي أصبحت مزيجاً من الخطر و الانتظار ،حتى جاء يوم 20 نيسان 2008،ذلك اليوم الذي لم يكن يشبه سواه، اتصل به أحد الأشخاص و أخبره بأن القوات الأمريكية أسرت أحد أصدقائه، وأنه قُتل، وأنهم سيقومون بالتمثيل بجثته، لم يتردد ودود، لم ينتظر طويلاً ولم يفكر في الخطر الذي ينتظره في الطريق، حمل سلاحه و انطلق مسرعاً بإتجاه منطقة أم الكبر و الغزلان، ظناً منه أنه يستطيع اللحاق بصديقه و إنقاذه، كان يعرف أن الطريق خطر، لكنه لم يكن يعرف أن تلك الرحلة ستكون الأخيرة،هناك اصطدمت مركبته بقوة مع إحدى عربات الهمر، وفي لحظات المواجهة أصابته رصاصة قناص، فسقط شهيداً، محتسباً روحه عند الله ،هكذا انتهت رحلة رجلٍ بدأ حياته يتيماً ثم صار أباً لثلاثة أطفال، وعاش مطارداً متنقلاً بين المدن و البيوت، حتى دفع حياته ثمناً للطريق الذي اختاره.
بعد استشهاده عادت عائلته ، إلى بغداد وسكنت مع أخواله ،وظلوا على هذا الحال حتى عام 2018 ،قبل انت ينتقلوا إلى بيت رثٍ غير صالح للسكن البشري ،وهنا تبدو المفارقة الاكثر وجعاً في قصة ودود ،الرجل الذي غادر الدنيا تاركاً ثلاثة أطفال لم يترك لهم ثروة ولابيتاً فاخراً،وانما ترك لهم اسماً وذكريات وحكاية اب لم يكن حاضراً في كل سنوات طفولتهم ،لكنه ظل حاضراً في تفاصيل حياتهم ،كبر علي حتى بلغ الرابعة والعشرين ، يعمل كاسباً ،وأصبحت رانيا في الثانية والعشرين تواصل دراستها في الجامعة المستنصرية،أما مريم ابنة التاسعة عشر فتقف اليوم على أعتاب مستقبلها وهي طالبة في السادس العلمي ،ثلاثة أبناء كبروا وهم يحملون سؤالا واحداً في أعماقهم : ماذا لو بقي أبي معنا ؟
رحل ودود وبقيت زوجته وأبنائه يكملون الطريق من بعده ، يحملون غيابه في كل مناسبة ،وفي كل نجاح وفي كل لحظة يحتاج فيها الابن إلى أبيه وتحتاج فيها البنت إلى يدٍ تربّت على كتفها وتقول لها أنا هنا ، رحل الشهيد ودود محمد كاظم في العشرين من نيسان عام 2008 ،لكن قصته بقيت عالقة في ذاكرة أبنائه،اب لم يكن يملك الكثير من الدنيا ،لكنه ترك وراءه ثلاثة أبناء يحملون اسمه ويحملون معه قصة رجل بدأ حياته يتيماً وانتهى شهيداً.




