عاصفة في فنجان “حلف الماكياج”..!
القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي ||

المشهد الأول: سيرك الفضائيات وورم الأوهام
تخيّلوا معي هذا المشهد الإستراتيجي المهيب: مؤتمر صحفي “تاريخي وجبار” تُدشّن فيه الطبول والمزامير العابرة للقارات تأسيس “الحلف الثلاثي الأسطوري” (السعودية – تركيا – باكستان).
في تلك الليلة، لم ينم المحللون الإستراتيجيون عبر الشاشات؛ بعضهم لبس الخوذة العسكرية فوق “الغترة”، والبعض الآخر بدأ يوزع خرائط النفوذ ويقسّم الشرق الأوسط وهو يتناول الشاي، بينما احترقت لوحات المفاتيح تحت أنامل المغردين وهم يدبّجون الهاشتاغات الحماسية: #أساطيلنا_على_الأبواب و#الردع_السني_القادم! بل وراح شُعراء الاستوديوهات يوزّعون صكوك الانضمام، ويعدّدون الدول التي ستسير تحت هذه الراية، مع “توبيخ” قاسي النبرة لمصر لأنها -بحسب عبقريتهم- لم تغتنم فرصة العمر للانضمام لهذا “الفتح المبين”!
ولم يكتف السيرك بذلك؛ بل ظهر المشايخ والعلماء يستقبلون الشاعر المسمري بالقصائد العصماء والأهازيج؛ فهذا الدكتور عايض القرني يكتب فيه القصائد المجلجلة، وذاك الشيخ الآخر يلحنها بصوته ويرددها الحضور من خلفه في نشوة طرب، مع إغداق الهدايا الثمينة، وتبادل السيوف الذهبية، وفرق “الرزفة” تشلع الأرض رقصاً، وذاك يخلع جلبابه وعباءته حماساً! “هيص وميص”، واستعراضات وعنتريات وأناشيد حماسية تتجاوز خيالات “ألف ليلة وليلة” وتهز عرش “كليلة ودمنة”.. وجرّ يا خوي جرّ!
ولم يكد يمر أسبوع واحد على هذا التطبيل المجلجل والأوهام المنتفخة… حتى خرج علينا مهندس السياسة التركية، وزير الخارجية (هاكان فيدان)؛ لا ببندقية ولا بصاروخ، بل بمقصّ، وخرّامة أوراق، وابتسامة باردة كالثلج!
المشهد الثاني: المؤتمر الذي نسف السيرك
– المذيع (وهو يرتدي درعاً واقياً من شدة الحماس الناري):
– “معالي الوزير! أفقنا اليوم على صهيل الخيل وصليل السيوف! متى ستتحرك الأساطيل التركية لقصف الحوثيين، ومتى ستُدك طهران؟ المحللون العرب جاهزون، والقصائد العتيدة كُتبت، والجيوش في الاستوديوهات تنتظر إشارة البدء!”
– هاكان فيدان (يعدّل ربطة عنقه بهدوء قاتل):
– “عفواً أخي العزيز.. صهيل ماذا؟ أي أساطيل وأي سيوف؟ التصريح الذي وقّعناه ليس إلا ‘فوتوشوب’ إعلامي لزوم الصور التذكارية ولطائف الألبوم السنوي +عمرة بمكة المكرمة!”
– المذيع (بصدمة وجفاف حاد في الحلق):
– “ولكن.. والعصا الغليظة؟ والتحالف الإسلامي؟ وإعادة رسم الخريطة الإقليمية؟!”
– هاكان فيدان (يضحك بكتفيه):
– “يا رجل، هدّئ أعصابك ولا يرتفع ضغطك! الاتفاقية شكلية جداً، مجرد ‘لايك وشير’ لتعزيز الأجواء الأخوية. تركيا لن تهاجم إيران، ولن تقصف اليمن، وعلاقتنا مع طهران أحلى من العسل! الموضوع برمّته كان مجرد دورة تدريبية في أصول الوقوف أمام الكاميرات والابتسامة للصحفيين!”
المشهد الثالث: صدمة “الثمانينيات” وسوق المراهم
في تلك اللحظة بالذات، سمعت المنطقة بأسرها صرير الكراسي الدوارة في الاستوديوهات العربية وهي تهتز من هول الفاجعة الإستراتيجية!
وهنا حقّ لنا أن نتحسّر على زمن التحالفات العريضة؛ فعلى الأقل، تحالفات عقد الثمانينيات -على ما كان فيها من علل وأسقام- صمدت لسنوات! “مجلس التعاون العربي” و”اتحاد المغرب العربي” عاشا سنوات وسنوات، وعقدا اجتماعات، وحرّرا بروتوكولات، وتبادلا وزراء ورؤساء.. أما هذا “الحلف الفلاشي”، فلم يصمد حتى تكتمل دورة الغسيل الأسبوعية للثياب الرسمية! حلفٌ وُلد صبيحة الأحد، وقُبر مساء الخميس!
– المحلل السياسي الأول (يمسح العرق البارد ويمزق مسودة مقال الأسبوع الماضي):
– “يا جماعة، انتظروا علينا قليلاً! نحن لم نكن نقصد حرباً عسكرية بالمعنى المباشر.. كنا نقصد ‘حرباً إيهامية’.. نعم، استراتيجية التخويف بالاستعراض الرث!”
– المحلل الإستراتيجي الثاني:
– “بالضبط! نحن فقط أردنا أن نلعب لعبة ‘استغماية’ إقليمية.. لكن الأخ التركي كعادته سحب الفيشة وصرح بالحقيقة قبل أن تنتهي الحفلة!”
إن التعلق بحبال الهواء لدى أصحاب هذا “الحضن العربي” لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل أصبح مدرسة فكرية قائمة بذاتها: نخاف من حقيقة صادمة، فنغطيها باستعراض يعرف الطفل الصغير أنه سخيف، ونلجأ إلى مراهم إعلامية لنواجه بها أوهاماً نحن من صنعناها في مخيلاتنا!
النشرة الإستراتيجية
– خبر عاجل: إعلان حالة الطوارئ القصوى في محلات بيع “المراهم الإعلامية” و”الهاشتاغات الجاهزة”، بعد اكتشاف أن الحلف العسكري الأسطوري لم يكن سوى “دورة تدريبية مكثفة في كيفية التقاط الصور الرسمية بابتسامة متناسقة”!
– سؤال الأسبوع المتداول بين أرباب التطبيل: “هل هناك آلية قانونية لاسترجاع قيمة المقالات والتحليلات العسكرية والشيلات والقصائد التي كُتبت خلال الأيام السبعة الماضية؟”
– المفارقة الكبرى: حلفٌ عسكري تُنفق عليه المليارات لم يصمد سبعة أيام، بينما ترند يمني بسيط ومزلزل مثل “دق دق 77…” يلف العالم أجمع، ولا يزال صامداً يتردد صداه في الشرق والغرب، يُثبت أن الصمود الحقيقي للأفعال لا للفقاعات!
– حكمة ختامية:
رحمة الله على ابن خلدون حين يشرح هذه الحالة؛ فالعرب حين يصرون على الخطأ لإقناع قومهم أنه صواب، ينتهون دائماً بالاحتفال بالحلف قبل أن يبدأ، ثم التعزية فيه بعد أن ينتهي بـ… “تصريح صحفي”!




