وفاء المقاومة..!
✍️. سمير السعد ||

مرّ العراق خلال السنوات الماضية بمرحلة أمنية وسياسية بالغة الخطورة، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مساحات واسعة من البلاد واقترب خطره من بغداد وأربيل، فوجد العراقيون أنفسهم أمام تهديد وجودي استهدف الأرض والإنسان والدولة. وفي تلك اللحظة التاريخية، شاركت الفصائل المسلحة الوطنية في مواجهة الإرهاب، وخاض مقاتلوها معارك قاسية وقدموا تضحيات كبيرة، وأسهموا في تحرير مدن ومناطق واسعة ودفع الخطر عن العراقيين.
اليوم، ومع تراجع خطر داعش وتغير طبيعة التحديات الأمنية، يطرح ملف حصر السلاح بيد الدولة نفسه كاستحقاق يرتبط ببناء المؤسسات وترسيخ سيادة القانون. وهذا الهدف يمثل مصلحة وطنية جامعة، غير أن الوصول إليه يحتاج إلى مقاربة هادئة ومتدرجة تقوم على الحوار والثقة والضمانات، بعيداً عن لغة التهديد والوعيد أو الضغوط والإملاءات الخارجية.
والطريق الأكثر واقعية يبدأ بحوار وطني جاد مع قيادات الفصائل الوطنية المعنية، للاستماع إلى رؤيتها ومطالبها والاتفاق على آليات واضحة تنظم دورها ضمن المنظومة الأمنية للدولة. ويمكن بحث استمرار بعض التشكيلات ضمن الأطر الرسمية، وفقاً للدستور والقوانين النافذة، مع إخضاع تحركاتها وعملياتها العسكرية للتنسيق والأوامر الصادرة عن القائد العام للقوات المسلحة، بما يضمن وحدة القرار العسكري ويحفظ للدولة هيبتها، ويصون في الوقت نفسه حقوق المقاتلين الذين قدموا التضحيات دفاعاً عن العراق.
ومن مقتضيات الإنصاف الفصل بين ملف السلاح والملفات الأخرى. فالفساد أو الاستيلاء على العقارات وأراضي الدولة أو أي تجاوزات مالية وإدارية ينبغي أن تعالج عبر الأدلة والقضاء والمؤسسات الرقابية المختصة، من دون تعميم الاتهامات على فصائل أو مقاتلين لا تثبت بحقهم شبهات أو مخالفات.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة عدم الانسياق وراء التصريحات الإعلامية المتشنجة التي تستهدف رجال المقاومة أو تتعمد اختزال تجربتهم وتضحياتهم في صورة نمطية تخدم غايات سياسية أو مصالح فئوية. وفي المقابل، فإن النقاش الوطني المسؤول يجب أن يتيح أيضاً طرح مختلف الآراء والملاحظات المتعلقة بدور الفصائل والسلاح، ما دامت تُطرح بعيداً عن التشهير والتحريض والتخوين والتعميم. فالنقد والمساءلة حقان مشروعان، كما أن احترام التضحيات وعدم إنكارها حق مشروع أيضاً.
كما ينبغي ألا يكون العراق ساحة لتنفيذ أجندات خارجية، أو أن تتحول الخلافات الداخلية إلى وسيلة لاستدعاء التدخلات والضغوط من الخارج. فمصلحة العراق تقتضي أن تُناقش قضاياه الحساسة داخل مؤسساته الدستورية، وبما يحفظ استقلال قراره الوطني وسيادته.
إن من حق الجميع أن يناقش مستقبل السلاح ودور الفصائل ضمن الدولة، لكن هذا النقاش يجب أن يجري بلغة وطنية مسؤولة، وبعيداً عن التحريض والتخوين والتعميم. كما أن كشف أي مخالفة أو تجاوز يجب أن يستند إلى الأدلة والقانون والقضاء، لا إلى حملات إعلامية أو مواقف مسبقة تقود إلى إصدار أحكام جماعية.
وتزداد الحاجة إلى هذه المقاربة بعد الاعتداءات الجوية التي استهدفت مقار للحشد الشعبي في تموز الماضي، والتي أسفرت، وفق بيانات عراقية، عن شهداء وجرحى، فيما أكدت الحكومة رفضها للانتهاكات وتوجيه وزارة الخارجية للتحرك وفق القانون الدولي.
وهنا تقع مسؤولية الحكومة في الدفاع عن سيادة العراق عبر القنوات الدبلوماسية، وتوثيق الاعتداءات ورفعها إلى المنظمات الدولية ومجلس الأمن، مع ضمان تنفيذ الاتفاقات الخاصة بإنهاء مهمة التحالف الدولي وفق الجداول المعلنة، ومنها الموعد المحدد لإنهاء المهمة العسكرية في العراق نهاية أيلول 2026.
العراق يحتاج اليوم إلى تغليب العقل والمنطق والمصلحة الوطنية العليا، والتفاعل مع المشتركات، والابتعاد عن المساومات والابتزازات والتصعيد الإعلامي. فلا ينبغي أن تُستغل تضحيات العراقيين في معارك سياسية أو طائفية، ولا أن يتحول ملف السلاح إلى ذريعة لإعادة إنتاج الانقسام أو استدعاء التدخلات الخارجية.
إن بناء الدولة لا يتحقق بكسر طرف أو إهانة من قاتل الإرهاب، كما أن حفظ مكانة من قدموا التضحيات لا يعني تعطيل مشروع الدولة. والطريق الوطني السليم يجمع الجميع تحت سقف الدستور والمؤسسات، ويحفظ السيادة والاستقلال ووحدة القرار، ويضمن في الوقت ذاته خضوع الجميع للقانون والمساءلة العادلة.
وحده الحوار الهادئ القائم على ضمانات حقيقية، والإنصاف، واحترام التضحيات، قادر على تحويل مرحلة السلاح والمواجهة إلى مرحلة بناء المؤسسات. وحين تتقدم المصلحة الوطنية على الانفعالات وردات الفعل، ويبتعد العراقيون عن أصوات الطائفية والمستفيدين من استمرار الأزمات، وكل من يحاول توظيف الخلافات لخدمة أجندات لا تصب في مصلحة العراق، يستطيع أبناء الوطن الوقوف صفاً واحداً أمام التحديات والاعتداءات، وصيانة وطنهم وشعبهم وسيادته، وبناء دولة قوية تتسع لجميع أبنائها..




