الخميس - 13 اغسطس 2026
منذ 54 دقيقة
الخميس - 13 اغسطس 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

بدا المشهد الدبلوماسي بين طهران وواشنطن في أروقة الوساطة العُمانية وكأنه تطبيق حي ومكثف لمفهوم “التكتيك التفاوضي” في أعتى صوره، حيث تحولت الرسائل المكتومة إلى ساحة لتبادل الشروط فائقة السقف، في مناورة إيرانية مدروسة لفرض معادلة ردع سياسي جديدة تتجاوز مجرد التهدئة التقليدية إلى رسم قواعد اشتباك سياسي جديدة.

هذا التكتيك التفاوضي تجسد بوضوح حين نقلت مسقط إلى الإدارة الأمريكية قائمة مطالب إيرانية محدثة، صيغت بلهجة حاسمة وبتوجيه مباشر من أعلى هرم القرار في طهران، متمثلاً بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي.

المطلب المفاجئ لدوائر القرار الغربية كان ضرورة التزام الولايات المتحدة وحلفائها بدفع تعويضات مالية وضمانات كبرى عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالمنشآت الاستراتيجية الإيرانية جراء ما وصفته طهران بـ “الاعتداءات الأمريكية”.

في علم التفاوض، لا يبدو هذا المطلب مجرد بند مالي، بل هو “تكتيك تفاوضي” ذكي لإجبار واشنطن على الاعتراف الضمني بمسؤوليتها القانونية عن حالة التوتر، وتحويل إيران من موقع الدفاع والمحاصرة إلى موقع الهجوم والمطالبة بالحقوق.

هذه المقاربة الصارمة استدعت رداً غاضباً وسريعاً من الرئيس دونالد ترامب، الذي سارع إلى الإعلام ليعلن أن واشنطن ستطالب في المقابل بتعويضات ضخمة لضحايا الهجمات التي استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة.

غير أن كبار المحللين في مراكز الأبحاث الغربية، مثل “مؤسسة كارنيغي” و”معهد تشاتام هاوس”، يرون في هذا الرد الأمريكي الانفعالي دليلاً على نجاح التكتيك التفاوضي الإيراني في نقل الضغط بالكامل إلى ملعب البيت الأبيض؛ فبدلاً من أن تركز المفاوضات على تقييد القدرات الإيرانية كما كانت تشتهي واشنطن، تحول النقاش بفعل المناورة الإيرانية إلى ملفات التعويضات المتبادلة وكلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

وتشير تقارير تسربت عبر وسائل إعلام أمريكية بارزة إلى أن الدبلوماسية الإيرانية تحركت عبر شبكة معقدة شملت رسائل قطرية وباكستانية موازية لجهود مسقط، مما يعكس إتقاناً لـ “تكتيك تفاوضي” يعتمد على تعدد المسارات وتوزيع الأدوار.

ويؤكد مراقبون في واشنطن أن رفع إيران لسقف مطالبها في هذا التوقيت بالذات ليس رغبة في إفشال الحوار، بل هو توظيف ذكي لأوراق القوة الإقليمية لإفهام إدارة ترامب أن ثمن أي “اتفاق نوايا” مستقبلي لن يكون بخساً، وأن عهد الإملاءات أحادية الجانب قد ولى بلا رجعة.

بين التصعيد والتصعيد المضاد، يثبت هذا التكتيك التفاوضي قدرة طهران على الإدارة الذكية للأزمات، حيث تحولت المطالب التعجيزية الظاهرة إلى درع دبلوماسي يحمي مصالحها الحيوية، ويجبر القوة العظمى على إعادة حسابات الكلفة والمنفعة قبل اتخاذ أي خطوة تصعيدية قادمة، مما يجعل اللعبة الراهنة صراع إرادات يتقن فيه الإيرانيون نفس المقاومة الطويل.