ما هي جريرة الحشد الشعبي التي تستوجب تجريده من السلاح؟!
عباس سرحان ||

واشنطن، تل أبيب، الرياض، الدوحة، الكويت، ابو ظبي ودمشق. أطراف تفرّقها الجغرافيا وتتباين مواقعها وأوزانها في المعادلة الإقليمية، لكنها على طاولة واحدة، تردد المطلب ذاته( حل الحشد الشعبي). وهذا الانسجام في المطلب هو امتداد طبيعي لتحالف قائم، ما يستحق وقفة طويلة، لأنه يعني أن حل الحشد ليس مطلباً عراقياً داخلياً يخص العراقيين وحدهم، بل بند في أجندة تحالف إقليمي ودولي متكامل.
فلماذا هذا التحالف وهذا الإصرار على حل الحشد او تجريده من سلاحه؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه كل شيعي، بل كل وطني عراقي حريص على استقرار بلده واستقلال قراره، قبل الانسياق خلف شعارات وتبريرات التخوين التي يرددها المتحالفون ضد الحشد.
وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً، إلى لحظة تأسيس الحشد الشعبي. فهذا التشكيل لم يولد من ترف، ولم يكن مشروعاً سياسياً أو طائفياً كما يُصور اليوم، بل جاء استجابة لحدث جسيم وخطير هدد وجود الدولة العراقية نفسها( احتلال تنظيم داعش أجزاءً واسعة من الأراضي العراقية، وسقوط محافظات بأكملها بيد هذا التنظيم في وقت قياسي وتوقيت مريب).
ولا يخفى على متابع أن هناك دولاً معروفة أسهمت في تأسيس مشروع داعش ورعته ودعمته، وكانت تراهن عليه لإسقاط النظام السياسي القائم في العراق بعد 2003، وإعادة رسم خريطة النفوذ على أنقاض الدولة العراقية، تماما كما نرى اليوم في ليبيا والسودان.
في تلك اللحظة الحرجة، حين كانت الدولة الرسمية تتهاوى، كان الحشد الشعبي هو الذي التحم مع ما تبقى من القوات العراقية الأخرى ليقف حاجزاً أمام هذا المشروع ويُجهضه ميدانياً، وله في ذلك فضل أول لا يمكن إنكاره أو تجاهله في استعادة الأرض وحماية العاصمة والمدن المقدسة من السقوط. هذه الحقيقة التاريخية موثقة بالتضحيات وآلاف الشهداء.
لكن ما إن انتهت المعركة العسكرية ضد داعش حتى بدأت معركة أخرى، أكثر نعومة وأطول أمداً. معركة الشيطنة والتحريض.
حملة ممنهجة لربط الحشد بإيران تنظيمياً، رغم أن لا علاقة تنظيمية رسمية تربطه بها، والهدف من هذا الربط إثارة النعرة الطائفية والإيحاء بأن هذا التشكيل ليس عراقياً خالصاً، بل امتداد لأجندة خارجية. وهي صياغة اتهامية دُرست بعناية لخلق مسوّغ يبرر محاصرة الحشد وتفكيكه لاحقاً، بعيداً عن أي نقاش موضوعي حول دوره ووظيفته الدستورية.
واليوم تعود هذه الحملة بزخم أوسع من أي وقت مضى، وسط مطالبات متصاعدة بنزع سلاح الحشد ودمجه ضمن القوات الأمنية الأخرى. وهنا يبرز التناقض الذي يفضح حقيقة المشروع. إذا كان الحشد، كما يُروَّج، تشكيلاً إيرانياً أو تابعاً لأجندة خارجية، فلماذا لا تُطالب هذه الأطراف بحله وتسريحه بالكامل؟
هذا السؤال يقودنا لفهم المخطط بأكمله. فتذويب الحشد ككيان مستقل داخل جسم القوات الأمنية الأخرى يعني عملياً تحويله من تشكيل له قيادة وقرار مستقل، إلى جنود يأتمرون بإمرة أشخاص قد يشبهون من تآمروا على تسليم الموصل، وسقوط الأنبار، والتخلي عن أجزاء من محافظة صلاح الدين أمام زحف داعش عام 2014.
بعبارة أخرى، إن القوى الدولية واذرعها المحلية المتحكمة بمفاصل القرار الأمني العراقي أثبتت قدرتها على اختراق هذا القرار وتوجيهه لصالحها في لحظات مفصلية، في حين لم تستطع حتى الآن اختراق الحشد الشعبي أو السيطرة على قراره. وهذا الفارق تحديداً هو ما يجعل من دمج الحشد وإذابته، الخيار الأمثل بالنسبة للمخطِّط.
من هنا تبدو المخاطر المحيطة بالشأن العراقي كبيرة وحقيقية، إذ يبدو أن هناك مخططاً قيد التنفيذ يحمل ملامح شبيهة بمخطط داعش نفسه، لكن بأدوات مختلفة هذه المرة، قد تكون سياسية وقانونية وإعلامية كما لو كانت انقلابا عسكريا. ويقف الحشد الشعبي، بوصفه القوة التي أثبتت استعصاءها على الاختراق، حجر عثرة أمام هذا المخطط، ولذلك يُراد له أن يُنزع سلاحه ويذوب ويختفي كقوة مستقلة قادرة على الحسم.
غير أن الطامة الكبرى في هذا المشهد ليست في المخطط نفسه، فالمخططات الخارجية موجودة دائماً وهي متوقعة، بل في أن معظم قادة الإطار التنسيقي لا يبدون إدراكاً حقيقياً لحجم هذا المخطط، ولا يريدون – لأسباب سياسية آنية أو حسابات ضيقة – رؤية المخاطر المحدقة بهم وبالمكون الشيعي عموماً. وقد تناسوا، أو تناسى بعضهم عن قصد، أن الدول ذاتها التي رعت داعش وموّلته وراهنت عليه لإسقاط الدولة العراقية، هي نفسها التي تخطط اليوم، بأدوات ناعمة، لإنهاء وجودهم السياسي وتفكيك أهم أداة حماية حققوها منذ عام 2014.
الدولة العراقية بحاجة فعلاً إلى حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية على المدى البعيد، لكن هذا الإصلاح يجب أن يأتي بقرار عراقي سيادي خالص، لا استجابة لضغط خارجي متزامن ومريب المصدر والتوقيت. والسؤال الذي طُرح في البداية يبقى قائماً وينتظر إجابة صريحة من كل من يملك القرار. لماذا الآن، ولماذا الحشد الشعبي دون البيشمركه التي تحظى بتسليح امريكي وهي لاتأتمر بإمرة الحكومة العراقية، بخلاف الحشد؟




