الخميس - 13 اغسطس 2026

شمس الوجود في كفن السماء: حين بكت الملائكة لرحيل سيد الكونين..!

الخميس - 13 اغسطس 2026

أ.محمد البحر المحضار ||

 

 

 

*﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾*

كيف للأرض أن تستقر بعد أن واري في التراب جسد من كانت السماء تهتز لإشارة يمينه؟
وكيف للنهار أن يشرق بعد أن أغلقت أبواب الوحي وانقطعت رسائل السماء عن الأرض؟
هل كان سم الغدر الذي سرى في جسد المطر مجرد نهاية لحياة بشرية، أم كان إعلانا لبدء زلزلة كونية امتدت جراحها من المدينة إلى كربلاء؟
ما الذي صنعته الأمة حين غاب عنها طب قلوبها، وعافية أبدانها، ونور أبصارها، وقوت أرواحها؟
وكيف لعين أن تدعي الشوق لمولده الشريف، وهي لم تهرق دمها قبل دمعها حزنا على يوم اغتياله وفقده؟

إن الثامن والعشرين من شهر صفر ليس يوما في تقويم الأحزان، بل هو الرزية الكبرى التي انكسر لها ظهر الوجود؛ حيث ارتقى خير خلق الله أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، أبو القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مسموما مظلوما، ليتشرد الكون بأكمله.
إنه الرحيل الذي صادر البهجة من قلوب العارفين؛ إذ روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء، خصصت حتى صرت تسلية عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء».

وفي كل عام، مع إحياء هذه الذكرى الفاجعة، يعود ذاك الجدل العقيم وتتردد ذات الأسئلة التي تعيد الأمة إلى مربع الشك: أَمَاتَ رسول الله حتفا أم قُتل واغتيل؟
ورغم ما تفيض به المرجعيات، وما تصدح به المنابر سنويا لبيان الحقائق، يظل البعض في سدرة العزوف؛ مع أن نص القرآن صريح حاسم، والشواهد التاريخية الناطقة تؤكد أن يد الغدر والإثم طالت الجسد النبوي الشريف بالسم المظلم، ليرتقي شهيداً مسموماً ومظلوماً، محققاً الوعد الإلهي بالشهادة العظمى.

ولم تكن شهادة المصطفى في هذا اليوم الأليم متفردة في المأتم، بل تلاقحت فيها لوعة الفقد النبوي بدمعة الحفيد؛ إذ يوافق هذا اليوم في إحدى أصح الروايات المعتمدة ذكرى استشهاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.
ما أعظم هذا التوافق الفاجع!
الأداة واحدة وهي السم الغادر، والقتلة هم ذات المجرمين الحاقدين الباغين على محمد وآل محمد، اختلفت الأزمان وتعددت الأيدي الآثمة، لكن العقلية التي تجرأت على تجشؤ السم في أحشاء سيد المرسلين، هي ذاتها التي قطعت كبد سبطه الأول الحسن الزكي، ليجتمع على الأمة في الثامن والعشرين من صفر حزنان: حزن على الفقد الأعظم، وحزن على الغدر بالحسن المظلوم.

كيف لعين عرفت محمدا صلوات الله عليه وعلى آله ألا تنزف الدم عوض الدمع، وكيف لقلب بايع نوره ألا يتفطر أسى وقهرًا على يوم رحيله وفجيعة فقده؟
إنها الرزية التي انقطعت بها أسباب السماء عن الأرض، وتيتمت بها البشرية، فارتفعت صيحات الثكالى في أرجاء الوجود، ينوحون على من كان للوجود رحمة، وللقلوب طبا وشفاء، وللأرواح نورا ووفاء.
آه لخاتم الأنبياء؛ يقضى مسموما مظلوما، وتطوى بوفاته صحف الوحي، لتبدأ من لحظة غيابه سلسلة الفجائع التي أدمت قلب الإنسانية؛ إذ لم تكن شهادة المصطفى إلا الشرر الأول الذي أضرم نار الرزايا؛ فعصرت بضعته فاطمة الزهراء، وقضت مظلومة مغصوبة الحق، ودفنت سرا بليل، ثم تسربت الفاجعة إلى محراب أمير المؤمنين علي، لتتخضب لحيته الشريفة بدماء رأسه كما أبشره بذلك رسول الله في حياته، ثم يتشرب منها كبد الحسن المجتبى جشع السم المظلم، وليتوج هذا نزف الفواجع بذبح السبط الحسين عليه السلام، عطشانا غريبا، مقطوع الرأس على رمضاء كربلاء، لتتجرع من بعده عقيلة بني هاشم زينب مرارة السبي والمصائب التي تهد الجبال، ويمتد البلاء إلى السجاد علي الكربلائي وما لاقاه من أغلال، ومنه إلى سلسلة الأئمة المعصومين شهيدا تلو شهيد، حتى شهادة الحسن العسكري وبدء الغيبة الكبرى للحجة المنتظر.

إن كل قطرة دم أهريت من أهل البيت، وكل صرخة ارتفعت من ثكلاهم، إنما هي امتداد لذلك اليوم الذي أغمضت فيه عين المصطفى، فغدت الديار موحشة، والصور مظلمة، والقلوب جمرة متقدة بالحزن والحرقة، تبكي أبد الدهر على حبيب الله، وتجدد المأتم على فقد من نعيش ببركة نوره إلى قيام يوم الدين.

إن العشق لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس ادعاء لسانيا، بل هو شريان يمتد من الله وإلى الله؛ فلا صلة بالرب الجليل إلا عبر نور خاتم أنبيائه، ولا مسلك إلى هذا النور إلا عبر أهل بيته الطاهرين.
ثم إن الولاء المطلق للعترة المعصومة، والتسليم الخالص لبقية الله في أرضه، المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف، هو التجسد الحقيقي للأمر الإلهي الكريم: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾.

إننا لا نحب آل محمد إلا لحب محمد، ولا نحب محمدا إلا لحب الله تعالى؛ فهي سلسلة نور تبتدأ بمعرفة الخالق ولا تنتهي إلا بالمودة المفروضة لمن طهرهم الله تطهيرا.

ومن هنا، يتجلى الأدب الرفيع مع المقام النبوي الأعظم؛ إذ كيف نستعجل الفرح وإشهار الزينة لمولد النور الشريف، ونحن لم نؤد بعد حق العزاء في ارتقائه ومقتله المسموم؟
إن المولد النبوي الشريف هو بلا ريب سيد الأفراح، وذروة البهجة في الكون، وفرض إنساني وديني وعقائدي؛ لكن البناء الوجداني الصادق يفرض علينا أن نمر أولا بعاصفة الحزن على فقدانه. نبكيه بدموع القلوب، ونقيم المآتم للرزية التي أبكت الملائكة، ثم حين يطوى صفر وتسقط أيام الحداد في الميقات المعلوم، نستقبل ربيع الأنوار بالأفراح التي تليق بمقامه.

في هذه الذكرى الأليمة، نتوجه بأعظم التعازي وأشد زفرات الأسى إلى ساحة القدس الإلهي، وإلى بضعة المنقذ وأم أبيها، السيدة فاطمة الزهراء البتول، وإلى أمير المؤمنين ووصي المنقذ وخليفته وباب مدينة علمه، الإمام علي بن أبي طالب، وإلى السيدة خديجة الكبرى، وإلى الريحانتين سيدي الإمام الحسن المجتبى وسيدي الإمام الحسين الشهيد، وإلى بطلة كربلاء وجبل الصبر سيدانا زينب، وإلى الأئمة المعصومين من ذرية الحسين، وإلى القائم المنتظر سيدنا الإمام المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، وإلى الأمة الإسلامية جمعاء باستشهاد نبيها ورسولها الأعظم.
كما ونرفع أحر العزاء إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى كل أولئك الأطهار الذين عزيناهم بفقده وارتقائه، بذكرى شهادة كبده وحفيده الإمام الحسن المجتبى في هذا اليوم المشهود؛ فعظم الله أجورنا وأجوركم بهذا المصاب الجلل.

*#أما_بعد …*
فإن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو المبدأ والمنتهى، وإن الدمعة المسكوبة على سمه وارتقائه هي المفتاح لفهم عظمه مولده؛ فلنحي في حزنه كما نحي في فرحه، ولتبق أرواحنا معلقة بعترته حتى نلقاه على الحوض وهو عنا راض.
*#رفعت_الجلسة …*

*#البحر_المحضار …*