الخميس - 13 اغسطس 2026

حين يُحرق القرآن.. مسؤولية الأمة أن تستعيد وعيها..!

منذ 60 دقيقة
الخميس - 13 اغسطس 2026

د. أحلام الصوفي ||

 

 

 

لم يعد تكرار الإساءة إلى القرآن الكريم مجرد حادثة منفصلة يمكن تجاوزها ببيان إدانة عابر، فحين يتكرر إحراق المصحف الشريف، فإن الأمر يتحول إلى اعتداء متعمد على مقدسات أكثر من ملياري مسلم، واستفزاز لمشاعر أمة كاملة، ومحاولة لضرب العلاقة بين المسلمين وكتابهم الذي يمثل مصدر هدايتهم وقيمهم وهويتهم.

وفي بيانه بشأن تكرار الإساءات إلى القرآن الكريم، وضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي القضية في إطارها الأوسع، مؤكدا أن استهداف القرآن ليس منفصلا عن الصراع على الوعي والقيم والهوية، وأن التعامل معه لا ينبغي أن يقتصر على ردود الأفعال المؤقتة، بل يجب أن يتحول إلى وعي وموقف ومسؤولية.

فالقرآن الكريم بالنسبة للمسلمين ليس كتابا يوضع على الرفوف أو يقرأ في المناسبات فقط، وإنما هو منهج حياة، ومصدر للقيم والعدل والرحمة والكرامة الإنسانية. ومن هنا فإن استهدافه، كما أشار البيان، يستهدف قبل كل شيء علاقة الإنسان المسلم بكتاب الله، ومحاولة إبعاده عن مصدر قوته الروحية والأخلاقية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذه الإساءات المتكررة هو: ماذا فعل العالم الإسلامي؟ وهل تكفي بيانات الشجب والاستنكار أمام جريمة تتكرر دون رادع؟

إن الموقف الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للقرآن في حياة المسلمين، ومن تحويل العلاقة معه من علاقة موسمية إلى علاقة يومية واعية، ومن تربية الأجيال على فهمه وتدبره والعمل بقيمه، لأن الأمة التي تتمسك بكتابها وتفهمه وتستلهم منه وعيها لا يمكن أن يكون من السهل إخضاعها أو فصلها عن هويتها.

كما أن المسؤولية لا تقع على الشعوب وحدها، فالدول الإسلامية تمتلك أوراقا سياسية واقتصادية يمكن استخدامها للضغط من أجل وقف الاعتداءات على المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن الكريم. والمقاطعة الاقتصادية، حين تتحول إلى موقف شعبي واسع ومنظم، يمكن أن تكون رسالة عملية أقوى من كثير من بيانات الإدانة.

وفي هذا السياق، يبرز الموقف اليمني الذي أكد البيان أنه لم يتعامل مع القضية باعتبارها حدثا عابرا، بل جعلها جزءا من أنشطته الشعبية والثقافية والإعلامية، وربطها بمسألة الهوية الإيمانية والاستقلال عن الهيمنة الخارجية.

ومع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، تكتسب القضية بعدا إضافيا، إذ إن إحياء هذه المناسبة لا ينبغي أن يقتصر على المظاهر الاحتفالية، بل يمكن أن يكون فرصة لإعادة وصل الأمة بالقرآن الكريم، واستحضار الرسالة التي حملها النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله، وترسيخ قيم الوعي والرحمة والعدل والكرامة في حياة المسلمين.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل إساءة للقرآن هو أن تتحول الصدمة إلى غضب مؤقت، ثم تخفت القضية مع مرور الأيام. أما الرد الأقوى فهو أن يتحول الغضب إلى وعي، والوعي إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك وموقف، وأن يصبح القرآن حاضرا في حياة الأمة لا في ردود أفعالها فقط.

فإحراق المصحف لا ينال من قدسية القرآن ولا من مكانته، وإنما يكشف عن عقلية ترى في النور تهديدا لها. والقرآن الذي بقي محفوظا في صدور المسلمين قبل كتبهم، لن تطفئ نوره ألسنة النار.

اليوم، تقف الأمة أمام مسؤولية واضحة: إما أن تكتفي بمشاهدة الاعتداءات المتكررة على مقدساتها، أو تستعيد دورها في حماية هويتها وتعزيز علاقتها بكتاب الله، بالوعي والثقافة والموقف المسؤول.

وفي ذكرى مولد رسول الله، تبقى الرسالة الأهم أن محبة النبي لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بالعودة إلى القرآن الذي جاء به، وفهمه، والتمسك بقيمه، وتحويل هذه المحبة إلى وعي حي في واقع الأمة.

إن معركة القرآن الحقيقية ليست مع النار التي تحاول إحراق صفحاته، وإنما مع الجهل الذي يحاول إبعاده عن حياة الناس. ولذلك فإن أقوى رد على كل إساءة هو أن يبقى القرآن حيا في القلوب والعقول والسلوك، وأن تستعيد الأمة مكانتها حين تجعل من كتاب الله مصدر وعيها وبوصلتها في مواجهة كل أشكال التضليل والهيمنة.

#ملتقى-رائدات-الفكر-الحر