الخميس - 13 اغسطس 2026

ميلاد النور ومواجهة الاستكبار.. المولد النبوي كمنهج للتحرر والعدالة..!

الخميس - 13 اغسطس 2026

القاضي/ حسين محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن ||

 

 

 

{لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}
وتتجدد الليالي وتدور الأعوام، وتبقى ذكرى مولد النبي المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أبهى زهرة في بستان التاريخ الإنساني، وأشرقت شمس أضاءت دياجير الظلام. لم يكن مولده مجرد حدث يتصل بزمان ومكان محدود فحسب، لأن ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم كان ميلاداً لأمة، وانبعاثاً للرحمة، وبداية لعصر جديد تنفست فيه البشرية الصبح بعد طول ليل الجاهلية المظلم.
بزوغ النور ورحلة التغيير
أشرق الفجر النبوي والجهالة ضاربة أطنابها في مشارق الأرض ومغاربها؛ ظلماتٌ يركب بعضها بعضاً عبادة للأصنام، وضياع للكرامة الإنسانية، وتطاحن بين القبائل على أوهام وأسباب واهية. فجاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحمل مشكاة التوحيد، ويسكب الضياء في الأرواح الخاوية، ليعلن أن الناس أمة واحدة، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى: {وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}
لقد نقل العالم من ضيق العبودية للمخلوقين إلى سعة عبادة رب العالمين، ومن جور الأديان المحرفة إلى عدل الإسلام وسماحته.
يا خيرَ من قد أشرقتْ أنواره ** آفاقُ دهرٍ واستنار سماءُ
يا منْ بهِ انتظمتْ حياةُ قلوبِنا ** ولأمرِهِ خضعتْ لنا الأهواءُ
وُلدَ الهدى، فتفتّحتْ أكمامُهُ ** وتألّقتْ من حولِهِ الأضواءُ
وتبسّمتْ للدينِ دنيا أشرقتْ ** وتراجعتْ عن دربِها الظلماءُ
وتزلزلتْ أركانُ كلِّ ضلالةٍ ** وتهاوتِ الأصنامُ فهي هباءُ
والحقُّ أقبلَ في جبينِ محمدٍ ** نورٌ يبدد في الورى الظلماء
يا خاتمَ الرسلِ الكرامِ ومن بهِ ** اكتملتْ من ربِّ العبادِ هداءُ
فيكَ النبوةُ قد أتمّتْ عهدَها ** وبكَ استقامَ على الهدى العلماء
من دوحةٍ طابتْ فروعُ أصولِها ** وتعطّرتْ من طيبِها الأرجاءُ
نسبٌ كأنَّ الشمسَ بعضُ ضيائِهِ ** وشمائلٌ تزهو بها العلياءُ
أنتَ الأمينُ، وكلُّ قومٍ أودعوا ** سرَّ الأمانةِ عندكَ الأُمَناءُ
ولقد أقامَ اللهُ فيكَ من الهدى ** خلقًا تضيءُ بنورِهِ الظلماءُ
إن قيلَ: من قد أكرمت أخلاقُهُ؟ ** قلنا: محمدُ، والكرامُ سواءُ
أنتَ الرحومُ، وفي رحابِكَ رحمةٌ ** للناسِ، ليس يحدُّها إقصاءُ
أنتَ الذي وسعتْ رحابُكَ من أتى ** متضرعًا، فالصفحُ منك هدية وعطاءُ
عظمة الإنجاز وإصلاح شؤون البشرية
لم يكن الإصلاح الذي قاده الرسول الأعظم مجرد تنظير أو شعارات تُرفع، وإنما كان ثورة خُلقية واجتماعية وإنسانية شاملة، تجسدت في واقع الحياة، ومن أبرز معالم هذا الإصلاح:
• تأسيس معالم العدالة والحرية: قَضى على نظام العصبية المقيتة، وحرَّر العقول من خرافات الجاهلية، وأرسى قواعد الحق والعدل والمساواة.
• تكريم الإنسان وحفظ حقوقه: ردَّ للمرأة كرامتها بعد أن كانت تُواد وتُسلَب حقوقها، وجعلها شقيقة الرجل في الأحكام والكرامة، وأوصى بالضعفاء والمساكين والحيوان.
• بناء الدولة على أساس التآخي: آخى بين المهاجرين والأنصار في صورة يعجز التاريخ عن التسامي إلى مستواها، وبنى مجتمعاً متماسكاً تسوده المحبة والإيثار.
• صياغة الخُلُق الإنساني أجمع: كان خُلُقه القرآن، يجمع بين الهيبة والتواضع، وبين القوة والرحمة، وبين الحكمة واللين.
إِنَّ النُّبُوَّةَ شَمْسُ كُلِّ فَضِيلَةٍ ** وَسَنَا مُحَمَّدٍ لِلْوُجُودِ ضِيَاءُ
تَهْدِي العُقُولَ إِلَى الرَّشَادِ بِحِكْمَةٍ ** فِيهَا لِأَدْوَاءِ الصُّدُورِ شِفَاءُ
يَا مَنْ أَتَى الدُّنْيَا وَكُلُّ جَهَالَةٍ لَيْلٌ ** فَلَاحَتْ بِالْهُدَى الأَضْوَاءُ
شَرَعَتْ يَدَاكَ لِكُلِّ جِيلٍ مَنْهَجًا ** تروي هدايته لنا العلماءُ
فِي كُلِّ مَكْرُمَةٍ بَلَغْتَ عَنَانَهَا ** فَكَأَنَّ أَيَّامَ الوُجُودِ سَخَاءُ
تَمْشِي السَّكِينَةُ حَيْثُ حَلَّتْ خُطْوَةٌ ** وَيَفُوحُ مِنْ آثَارِكَ الرُّوحَاءُ
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ مَا سَطَعَ السَّنَا ** ببريق خير للملأ وضاءُ
صلّى عليكَ اللهُ ما شاقَ الثرى ** عطرُ الربيعِ، وما تنفّسَ ماءُ
صلّى عليكَ اللهُ ما طلعتْ لنا * شمسٌ، وما رفعتْ إلى الرب الكريم دعاءُ
يا ربِّ صلِّ على النبيِّ وآلِهِ ** ما لاحَ في أفقِ الوجودِ ضياءُ
واجعلْ لنا من هديِهِ في دربِنا ** نورًا، بهِ تتبدّدُ الظلماءُ
دعوة إلى التأسي والإقتداء
إن الاحتفاء الحقيقي بذكرى المولد النبوي الشريف لا يكتمل بمجرد استحضار السيرة بالكلمات، أو إقامة المظاهر والاحتفالات فحسب، فجوهر الاحتفال يكمن في التأسي الصادق بسيرته العطرة، والتخلق بأخلاقه الشريفة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}
فحاجة أمتنا اليوم إلى النبع النبوي الصافي أكثر من أي وقت مضى؛ نتاج حاجتها إلى:
• الاستمساك بأخلاقه: في الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، والتسامح، ونبذ الخلافات والشقاق.
• إحياء روح الرحمة: وتجسيدها في تعاملاتنا اليومية مع الأهل، والجيران، والمجتمع، والعالم أجمع.
• العلم والعمل: والأخذ بأسباب النهضة والتقدم كما علمنا الهادي الأمين، لينصلح حال الأمة ونعود كما أرادنا الله خير أمة أُخرجت للناس.
• فالواقع اليوم الذي تعيشه الأمة مليء بالفتن والاضطرابات، بسبب تعالي الصهيونية وغطرستها واعتدائها على الأمة الإسلامية واحتلال اليهود للأقصى الشريف، وقَتْلِهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، ومحاربتهم للجمهورية الإسلامية في إيران والعراق ولبنان، واعتداء الحلفاء على يمن الحكمة والإيمان، دون مراعاة لحقوق الأخوة والجيران، ونحن في ذكرى مولد النور والهدى ندعوهم إلى مراجعة حساباتهم وتكفيرهم عن مظالمهم قبل فوات الأوان، وتوجيه طاقاتهم وتحالفهم إلى صد الصهيونية عن ظلم فلسطين، وتحرير الأقصى، فذلك خير لهم من التماهي مع أعداء الإسلام.
ونقول للأمريكيين إن سكوتكم ودون إنكاركم لهذا الجرم المشين المتمثل في تمزيق القرآن من قبل عدو الرحمن في بلدكم، سيكون نتاجه تمزيق دولتكم وأفول حضارتكم؛ فمن يغالب الله يُغْلَب في كل زمان ومكان: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
إن الأمة الإسلامية في أمس الحاجة إلى ثورة خلقية، واجتماعية، وسياسية، وعسكرية تستعيد بها الأمة مكانتها، ليتجسد بذلك صدق إسلامها، واتباعها لنهج النبي الكريم كما يفعل أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة ومحور المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق والجمهورية الإسلامية في إيران،
إن الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف ليس مجرد استعادة لحدثٍ غابر، ولا محطةً عاطفية تُقضى فيها الشكليات وتُرفع فيها الشعارات؛ وإنما هو «إعلان استنفار شامل» لإعادة صياغة واقع الأمة على ضوء الرسالة الأولى، وصلوات الله وسلامه عليك يا علم الهدى، يا من بعثك الله رحمة للعالمين، وعلى آلك الطيبين الطاهرين، وصحابتك الغر المنتجبين الأنصار والمهاجرين ومن سار على نهجك واقتفى أثرك إلى يوم الدين.