الجمعة - 28 اغسطس 2026

سلاح الفصائل.. بين شرعية المقاومة وهيبة الدولة: أين يقف الحق؟!

منذ أسبوعين
الجمعة - 28 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

ليس من الإنصاف أن نختصر قضية سلاح الفصائل العراقية بكلمة واحدة: «تسليم»؛ كما ليس من الإنصاف أن نختصرها بكلمة أخرى «مقاومة» فالعراق أمام قضية شديدة التعقيد، تتداخل فيها شرعية الدولة مع تأريخ المقاومة، ودماء الذين قاتلوا تنظيم داعش الإرهابي، والوجود العسكري الأجنبي، والصراع الإقليمي، والمصالح الأميركية والإيرانية، ومستقبل النظام السياسي العراقي.

والسؤال الحقيقي ليس: هل نريد سلاحاً أم لا؟بل: من يملك قرار إستخدام السلاح في العراق؟ ومن يقرر الحرب والسلم؟ ولمن تكون الكلمة الأخيرة عندما يتعرض العراق للخطر؟

أولاً: ما الشروط المطروحة لتسليم السلاح؟

المسار الذي تدفع إليه الحكومة يقوم في جوهره على حصر السلاح بيد الدولة، في موعد أقصاه ٣٠ أيلول المقبل بحيث لا تبقى قوة مسلحة خارج منظومة القيادة والسيطرة الحكومية؛ لكن «تسليم السلاح» يمكن أن يأخذ أكثر من صيغة، وليس بالضرورة أن يعني إلغاء كل تشكيل أو إبعاد كل مقاتل.

هناك صيغة يمكن أن تقوم على:
♦️تسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن السلاح إلى الجهات الرسمية.

♦️تسجيل الأسلحة وجردها بصورة دقيقة.

♦️إخضاع الأفراد والقيادات للقيادة والسيطرة الحكومية.

♦️تحويل من تنطبق عليهم الشروط إلى مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.

♦️فتح الباب أمام العمل السياسي لمن يريد ممارسة السياسة.

♦️منع إستخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد دول أخرى من دون قرار الدولة.

♦️ضمان حماية أفراد الفصائل الذين ينتقلون إلى الإطار القانوني، وعدم تحويل عملية نزع السلاح إلى عملية إنتقام سياسي.

وهذا قريب من أحد التصورات المطروحة فعلاً، إذ تحدثت دراسات ومقترحات عن إمكانية البدء بالأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة، مع معالجة وضع القوى البشرية والتنظيمية لاحقاً، والأهم أن بعض الفصائل بدأت بالفعل خطوات بإتجاه وضع السلاح تحت سيطرة الدولة، وهو ما يؤكد أن المسألة ليست مستحيلة من الناحية العملية.

ثانياً: هل يعني ذلك أن الفصائل كانت على خطأ عندما قاتلت داعش الإرهابي والإحتلال؟

الجواب بالتأكيد (لا)، وهنا يجب أن نقول الحقيقة كاملة؛ الفصائل التي قاتلت تنظيم داعش الإرهابي وأسهمت في الدفاع عن المدن العراقية لا يمكن محو تأريخها بقرار سياسي، فقد قاتل العراقيون، بمختلف تشكيلاتهم، تنظيماً إرهابياً هدد الدولة والمجتمع وإحتل مساحات واسعة من البلاد، كما أن مفهوم مقاومة الإحتلال له جذوره في القانون الدولي والسياسة الدولية، ولا يمكن التعامل معه وكأنه جريمة بمجرد إختلافنا السياسي مع الجهة التي تمارس المقاومة.

لكن هناك نقطة فاصلة: شرعية مقاومة خطر خارجي لا تعني تلقائياً شرعية إمتلاك قوة مستقلة عن الدولة إلى ما لا نهاية، فالظرف الذي نشأت فيه المقاومة قد يتغير، والتهديد الذي إستوجب حمل السلاح قد ينتهي أو يتبدل، والدولة التي كانت في لحظة ضعف قد تستعيد مؤسساتها، وهنا تبدأ المرحلة الأصعب: متى تنتهي مهمة المقاومة وتبدأ مهمة الدولة؟

ثالثاً: وماذا عن «المحتل»؟ لا يمكن للعراقي أن يتجاهل أن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا، وما زال وجود بعض قواتهم وتدخلاتهم، جزءاً أساسياً من المشكلة السياسية والأمنية العراقية، ومن حق العراق أن يطالب بخروج أي قوة أجنبية لا يريدها، وأن يرفض إستخدام أراضيه أو أجوائه أو مياهه في أعمال عسكرية ضد دول أخرى.

لكن هناك فرقاً بين أمرين:

رفض الإحتلال أو التدخل الأجنبي من جهة، وإبقاء قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة من جهة أخرى؛ إذا كانت هناك قوات أجنبية على الأراضي العراقية، فالحل الأول يجب أن يكون قراراً سيادياً عراقياً واضحاً، وإتفاقات رسمية، وضغطاً دبلوماسياً وسياسياً وقانونياً، أما أن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتبادل الضربات، فالعراقي هو أول من يدفع الثمن.

رابعاً: أين الحق إذن؟

الحق ليس مع أمريكا لمجرد أنها قوة عظمى، والحق ليس مع الفصائل لمجرد أنها قاتلت داعش، والحق ليس مع أي دولة إقليمية تريد إستخدام العراق كساحة نفوذ، الحق مع العراق أولاً، فإذا تعرض العراق لعدوان، فالدولة العراقية هي التي يجب أن تدافع عنه.

إذا بقيت قوات أجنبية على الأراضي العراقية بعد ٣٠ أيلول خلافاً لإرادة الدولة، فعلى الحكومة أن تعمل لإخراجها بالوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية، وإذا تعرضت البلاد لخطر إرهابي، فالقوات المسلحة العراقية والحشد الشعبي، وفق القانون والقيادة الرسمية، هم من يتولون الدفاع، وإذا كان هناك إعتداء على العراق، فإن الرد يجب أن يكون قراراً عراقياً لا قراراً خارجياً، هذه هي المعادلة التي تحفظ كرامة المقاومة وكرامة الدولة في الوقت نفسه.

خامساً: ماذا يجب أن تفعل الفصائل؟

برأيي، الخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه الفصائل الآن هو الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة، ليس لأن تأريخها بلا قيمة، وإنما لأن الحفاظ على تأريخ المقاومة لا يحتاج إلى الإحتفاظ بسلاح خارج سيطرة الدولة؛ الأذكى سياسياً هو أن تقول الفصائل: نحن لم نَخن العراق، ولم نتخلى عن المقاومة، لكننا مستعدون لأن يكون قرار السلاح عراقياً، وأن يكون إستخدامه حصراً بقرار الدولة عندما يكون العراق مهدداً، وبذلك تنتقل من سؤال «هل تسلّم سلاحك؟» إلى سؤال أكبر: كيف نحافظ على قوة العراق ونمنع إحتكار السلاح من أن يتحول إلى صراع داخلي؟ كما أن على الفصائل أن تطلب ضمانات واضحة:

♦️عدم إستهدافها أو تصفية قياداتها بعد تسليم السلاح.

♦️عدم تحويل عملية نزع السلاح إلى إجتثاث سياسي.

♦️ضمان حقوق المقاتلين الذين ينتقلون إلى المؤسسات الرسمية.

♦️إخضاع جميع القوى المسلحة، بلا إستثناء، للقانون.

♦️عدم السماح لأي دولة أجنبية بفرض شروط تتجاوز القرار العراقي.

♦️معالجة وجود القوات الأجنبية بالتوازي مع ملف السلاح.

سادساً: وماذا على الحكومة أن تفعل؟

الحكومة مطالبة بأن تكون حكومة دولة، لا حكومة طرف، إذا طلبت من الفصائل تسليم السلاح، فعليها أن تثبت أن السلاح الذي ستحتكره الدولة لن يستخدم ضد خصوم سياسيين، وأن القانون سيطبق على الجميع، ولا يمكن أن تطلب بغداد من فصيل عراقي تسليم سلاحه، ثم تعجز عن حماية العراق من الإعتداءات الخارجية.

الدولة القوية ليست الدولة التي تنزع السلاح فقط؛ بل الدولة التي تحمي مواطنيها بعد نزع السلاح، ولهذا فإن الحكومة مطالبة بمسارين متوازيين:

حصر السلاح بيد الدولة + حماية السيادة العراقية، ولا يمكن نجاح الأول من دون الثاني.

سابعاً: وماذا على أمريكا أن تفعل؟

إذا كانت واشنطن تريد عراقاً مستقراً، فعليها أن تفهم أن العراق ليس ساحة لتنفيذ السياسة الأميركية تجاه إيران.

لا يمكن أن تطلب الولايات المتحدة من بغداد حصر السلاح بيد الدولة، وفي الوقت نفسه تبقي المنطقة في حالة صراع مفتوح تجعل الفصائل ترى أن وجود السلاح ضرورة للدفاع عن العراق.

وعلى واشنطن أن تقدم للعراق شيئاً مقابلاً واضحاً:

♦️إحترام السيادة العراقية.

♦️عدم إستخدام الأراضي العراقية لضرب دول أخرى.

♦️دعم بناء المؤسسات الأمنية العراقية.

♦️إحترام القرار العراقي بشأن وجود القوات الأجنبية.

♦️دعم الإقتصاد العراقي بدلاً من حصر العلاقة في الملف الأمني.

♦️إعطاء بغداد ضمانات حقيقية بأن إنتقال السلاح إلى الدولة لن يجعل العراق مكشوفاً أمام أي تهديد خارجي.

فالمعادلة لا يمكن أن تكون: «سلّم سلاحك أولاً، وبعد ذلك سنرى ماذا نفعل بك»! بل ينبغي أن تكون: «الدولة تحتكر السلاح، والدولة في المقابل تحمي الجميع وتحفظ السيادة».

ثامناً: هل ستسلّم بعض الفصائل سلاحها فعلاً؟

المؤشرات تقول إن هناك فرقاً بين الفصائل في طريقة التعامل مع الملف، فبعض الفصائل أبدت إستعداداً لوضع السلاح تحت سيطرة الدولة، بينما لا تزال فصائل أخرى ترفض ذلك، وتربط التخلي عن السلاح بخروج القوات الأجنبية وضمانات أمنية وسياسية؛ وقد أعلنت بعض الفصائل أخيراً رفض تسليم سلاحها، في مقابل وجود مسارات أخرى أكثر إستعداداً للتفاهم، وهذا يعني أن التسوية الشاملة لن تكون بقرار واحد.

الأرجح أن نشهد عملية تدريجية:سلاح ثقيل أولاً، ثم تنظيم المخازن، ثم القيادة والسيطرة، ثم معالجة الوضع القانوني والتنظيمي للقوى البشرية.

أما محاولة فرض تسليم شامل وفوري بالقوة، فقد تنتج أزمة أمنية أكبر من المشكلة التي يفترض أن تحلها.

العراق اليوم أمام فرصة تأريخية، لكنها أيضاً أمام خطر تأريخي، إذا نجحت بغداد في تحويل الفصائل من قوة موازية للدولة إلى قوة عراقية خاضعة للقانون والدستور، فإنها تكون قد حققت إنجازاً وطنياً كبيراً، أما إذا تحولت القضية إلى معركة بين «المقاومة» و«الدولة»، فسوف يخسر الجميع.

الفصائل ليست مطالبة بالتبرؤ من تأريخها، ولا من تضحياتها في مواجهة داعش أو أي إحتلال أو عدوان، لكن عليها أن تدرك أن أفضل تكريم لتلك التضحيات هو بناء دولة قوية لا تحتاج إلى جيوش موازية، والحكومة ليست مطالبة بإذلال الفصائل، بل بإستيعابها داخل الدولة، وأمريكا ليست صاحبة الحق في تحديد شكل الدولة العراقية، وإيران ليست صاحبة الحق في تحديد خيارات العراق، وأي دولة أخرى ليست صاحبة الحق في إستخدام العراق كساحة صراع.

العراق هو صاحب الحق الأول، ومن هنا يمكن صياغة المعادلة التي تحفظ للجميع ماء الوجه:

المقاومة تحفظ تاريخها، والفصائل تحفظ كرامة مقاتليها، والحكومة تحفظ هيبة الدولة، وأمريكا تحترم السيادة، وإيران تحترم إستقلال القرار العراقي، والعراق وحده يحتفظ بقرار الحرب والسلم.

عندها فقط يصبح تسليم السلاح إنتقالاً من مرحلة المقاومة إلى مرحلة الدولة، وليس إستسلاماً لطرف أجنبي؛ وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يُبنى عليها الحوار العراقي في هذه اللحظة الحساسة.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع