حين يتحول الوطن إلى غنيمة… من قتل هيبة الدولة؟ قراءة في خلفيات مقتل العميد طلاع..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي ||
باحث ومختص بالتخطيط الاستراتيجي

لم تكن الدورة مجرد مكان شهد اشتباكا مسلحا ولم يكن العميد هشام محمد طلاع مجرد اسم يُضاف إلى قائمة ضحايا الواجب. كان الرجل يؤدي وظيفة الدولة ويحمل صفتها فحين امتدت إليه رصاصة الغضب لم تكن قد أصابت شخصا فقط بل اصطدمت بفكرة أكبر هي هل ما زالت الدولة صاحبة الكلمة الأخيرة في أرضها أم أن المجتمع بدأ ينقسم إلى جزر مسلحة لكل جزيرة قانونها وسلاحها. فالخلاف على أرض يُحل في محكمة والظلم يُرفع إلى القضاء والحق يُستعاد بالوسائل القانونية أما أن يتحول الاعتراض إلى بندقية والبندقية إلى مواجهة مع الدولة فهنا لا تعود القضية قضية أرض بل تبدأ قضية الدولة نفسها.
وبحسب ما أعلنته الجهات الرسمية فإن حادثة السابع والعشرين من آب أسفرت عن استشهاد العميد هشام طلاع مدير شرطة أمانة بغداد في جانب الكرخ والمنتسب خالد عباس لفتة وإصابة آخرين أثناء واجب لإزالة التجاوزات في الدورة وأُعلن لاحقا القبض على أحد المشتبه بهم واستمرار ملاحقة بقية المتورطين.
والسؤال الذي يتجاوز تفاصيل الحادث هو ما الذي يجعل مواطنا يصل إلى لحظة يرى فيها أن إطلاق النار على رجل الدولة حل ممكن؟ هل هو الطمع أم منطق القوة أم شعور متراكم بالظلم أم فقدان الثقة بالمؤسسات أم خليط خطير من كل ذلك؟ لا جواب سهلا هنا فمن يرفع السلاح في وجه الدولة غالبا ما تصنعه بيئة طويلة من الإحباط حين يشعر أن القانون لا يصل إليه إلا حين يكون عليه وأن أبواب النفوذ مفتوحة أمام الأقوياء ومغلقة أمام الضعفاء.
والخطر يبدأ حين يتحول الوطن في وعي بعض الناس من بيت مشترك إلى غنيمة فيصبح السؤال ماذا أخذت أنا لا ماذا أعطيت.
ومن حصل على أرض أو نفوذ أو حماية يشعر أن الدولة تحمي ما حصل عليه بينما من حُرم من حصته ينظر إليها بوصفها عدوه. وهكذا حين يصبح الوطن فرصة يصبح القانون عقبة وحين يصبح القانون عقبة يصبح السلاح وسيلة وحين يصبح السلاح وسيلة تصبح الدولة نفسها ميدان صراع.
وملف الأراضي هنا ليس ملفا بلديا بل ملف سياسي وأمني بامتياز فإذا كانت هناك أراض استُولي عليها أو بيعت بطرق غير قانونية فالسؤال يجب أن يصل إلى الحلقة الأولى من خصص ومن باع ومن سهّل ومن استفاد لا أن يتوقف عند من يسكن فيها اليوم. فالعدالة التي تحاسب الضعيف وتترك القوي لا تبني هيبة بل تبني نقمة.
وأخطر ما في المشهد أن يتحول السلاح من وسيلة دفاع إلى لغة للتفاوض فحين يعرف المواطن أن بإمكانه أن يعطل قرارا إداريا برصاصة فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن القوة أكثر فعالية من القانون وهذه كارثة تربوية قبل أن تكون أمنية لأن الطفل الذي يرى أن صاحب السلاح يعطل الدولة يتعلم أن القوة تصنع الحق وعندها لا يعود السلاح المنفلت مشكلة أمنية فقط بل مشكلة الأسرة والمدرسة والعشيرة وكل مؤسسات المجتمع.
والعميد طلاع لم يمت في معركة خارج العراق بل مات وهو يؤدي واجبا داخل بغداد وهذه الحقيقة وحدها تستحق أن تجعلنا نتوقف طويلا.
فهل يستطيع موظف الدولة أن يؤدي واجبه آمنا داخلها؟ إذا كان رجل الأمن يخشى القتل أثناء تنفيذ قرار وكان المواطن يستطيع مواجهة الدولة بالسلاح فنحن أمام أزمة في هيبة القانون لا أزمة أمنية عابرة.
لكن هيبة الدولة لا تعني القسوة فالدولة القوية هي التي تجعل المواطن يعرف أن شكواه تصل إلى المسؤول وأن مظلمته تجد طريقا إلى العدالة فهيبتها الحقيقية تبدأ من عدالتها.
ولهذا فإن المطلوب بعد حادثة الدورة ليس القبض على مطلقي النار وحده بل كشف كامل سلسلة المسؤولية من بداية قصة هذه الأراضي إلى من استفاد منها ومن وفر لها الغطاء.
وأي شعور بالظلم مهما كان حقيقيا لا يمنح صاحبه حق قتل رجل يؤدي واجبه فالمظلومية لا تمنح رخصة للقتل كما أن سلطة الدولة لا تمنح رخصة للظلم. نريد دولة قوية نعم لكن معها دولة عادلة نريد قانونا نافذا لا يُطبق بانتقائية ونريد حصر السلاح بيد الدولة عبر دولة تجعل اللجوء إلى القانون أجدى من اللجوء إلى السلاح.
فالعراق ليس أرضا يتقاسمها الأقوياء ولا غنيمة لمن سبق إلى السلاح بل وطن والدولة فيه ملك مواطنيها جميعا لا ملك حاكم ولا حزب ولا عشيرة والقانون هو اللغة الوحيدة التي يتساوى أمامها الجميع. ودم شهيد الدورة يجب ألا يتحول إلى خبر عاجل ينتهي بانتهاء يومه بل إلى لحظة مراجعة للسلاح وللأراضي ولعلاقة المواطن بالدولة قبل أن يترسخ ذلك الشعور الخطير بأن من لا يحصل على حصته من الغنيمة يستطيع أن يحرق الغنيمة كلها. فالوطن إذا تحول إلى غنيمة لن يبقى فيه مواطنون بل غانمون ومحرومون وغاضبون يبحثون عن النار.
رحل العميد طلاع وهو يؤدي واجبه ويبقى علينا أن نسأل أي دولة نريد أن نبني بعد موته دولة يخاف منها المواطن أم دولة يحترمها لأنه يثق بعدالتها. والعراق لا يحتاج إلى دولة الهيبة بل إلى هيبة الدولة.
hassanalisar@gmail.com




