بين الگوترة والوزن..!
د. أمل الأسدي ||

يستعمل العراقيون في لهجتهم العامية مفردة “الگوترة” وتعني البيع بلا وزن، جمعا أو كميةً بسعر محدد، ولكن بلا ميزان، وهي بهذا المعنى في معجم اللهجة العامية العراقية لعلاء اللامي، إلا أنه جعل أصلها يعود إلى “كتّر” ونقل رأيا عن معجم الفصيح العامي في شمال نجد، إذ يُبقي على معناها المتداول، وهو البيع جزافا أو كيفما اتفق، لكنه يعيدها إلى “القوترة” أي المشي البطيء، وهذا بعيد عن معناها، فالراجح أنها من التقتير، أي أن تُدني متاعك بعضه من بعض، أو بعض ركابك إلى بعض، تقول: “قَتَّر بينها”، أي قارب (لسان العرب، مادة: قتر).
وهذا المعنى هو الأقرب، أي اجعل بضاعتك كومةً، بعضها فوق بعض، أو قرِّب بعضها من بعض.
وعلى أية حال، ما يهمنا هنا ليس أصل المفردة، ولكن تهمنا طريقة التجارة هذه التي يتعامل بها الناس فيما بينهم، فهل يا ترى أعمالنا وتجارتنا مع الله خاضعة للگوترة أم للوزن؟
إن الله تعالى قد ذكر أن هناك حسابات دقيقة، وأن كل شيء مُتابَع، حين قال: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۞ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))وكذلك حين قال: ((مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)) يعني أن السيئات تخضع للتسجيل والحساب، وقال عز وجل في موضع آخر: ((فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۞ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۞ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۞ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ))
وغيرها من الآيات التي تشير إلى الميزان والحساب، ولكنّ الله وسعت رحمته كل المخلوقات، وإذا عامل الإنسان بعدله، لوجد الإنسانُ نفسه في خسران مبين!
لهذا فإن الله رحيم رؤوف، يحب عباده، وحين يخاطبهم يقول: ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))
أي إن الله تعالى ينتظر من عبده المبادرة بالعمل الحسن، ليشتريه منه بـ” الگوترة” المربحة له، فيقول: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)) إذن، في رحمة الله وكرمه، ولا سيما فيما يتعلق بالأمور الخاصة بين العبد وربه، يبرز مفهوم “الگوترة”، فكل شيء عائد إلى الله تعالى، وكل الأسباب والطرق بيده، ومنه، وإليه!
والله تعالى الحنّان المنّان ترك أبوابه مفتوحة لعباده، ينتظر عودتهم واستغفارهم قبل فوات الأوان، وأعلن عن قربه من عباده كما في قوله تعالى: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ..))، فالتفت إلى مستوى التحبب إلى العبد حين يقول تعالى: (عبادي)، ويؤكد قائلًا: (إني قريب)، ويقدم الإجابة، فيقول: (أجيب دعوة الداعي)
وقد ورد في الأثر: “اللهم عاملنا بفضلك، ولا تعاملنا بعدلك”، أي برحمتك وعفوك وسماحك، وكأننا هنا نقول لرب العزة: خذ بضاعتنا “گوترة” وتلطّف بنا، فلا طاقة لنا بما أحصاه الميزان!
فهذه مجالسُنا الحسينية، على ما فيها من دموعٍ وأحزانٍ، وخدمةٍ وبذلٍ، لا تُشكِّلُ شيئًا أمام قيامِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (صلوات الله عليهم) فما جرى عليه لم يجرِ على أحدٍ، وما قدَّمه للإنسانية لا يُجاريه فيه أحدٌ.
لذلك، تقبَّلْ منَّا هذا القليل، وسجِّلْنا في سِجِلِّ طريقِه الملكوتي.




