الاثنين - 29 يونيو 2026

السيدة زينب (عليها السلام) سبيّة ثورة الإمامة..!

منذ 50 دقيقة
الاثنين - 29 يونيو 2026

الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

ماذا يقول هذا القلم المثقّل بإرث الأرض ، في شخصية كانت تَسميتها من الله سبحانه .. ومن كان إسمها من السماء ، كيف تستطيع الأرض أن تستوعب رحابها ؟.

روي ابن عباس : عندما قرأت زينب بنت علي (ع) قوله تعالى من سورة المزمل (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثُلثي الليل ونصفه وثُلثه وطائفة من الذين معك) قالت : نحن نشترك مع جدنا في قوله تعالى (وطائفة من الذين معك) فنحن بفضل الله من هذه الطائفة .

وقالت عنها حكيمة بنت الإمام الجواد (ع) : إن الإمام الحسين (ع) أوصى إلى أخته زينب (ع) في الظاهر ، وكان ما يخرج من علي بن الحسين (ع) من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي تستراً على علي بن الحسين (ع) .
وهنا أتساءل ، مع علمي أن واقعة الطف خطة إلهية من الولادة إلى الاستشهاد : لماذا أخذ الإمام الحسين (ع) النسوة والأطفال معه إلى كربلاء ؟

عذراً سيدي يا حسين وعذراً يا سيدتي يا زينب على هذا التساؤل ، رغم أني أنقله عن أفواه آلاف العقول المعلّبة والذين يحملون الجهل المركّب بشطارة اللصوص .. وعذراً مرة أخرى يا سيدي ويا مولاتي إذا أجبت على ذلك التساؤل بما يحمله عقلي من أفكار العلماء وإمضاء التقادير .
وأُجيب على ذلك بأجوبة شتى .. ونحن على يقين أنها لا ترقى الى مرام حركة الامام الحسين (ع) في حصون عصمته وهو العارف بالتكليف ضمن عصمته الدالة على الجنة .. الحسين (ع) سفينة النجاة ومصباح الهدى .. وقطعاً اذا لم نأخذ من هذا المصباح بعض شعاعه لا نهتدي الى الاجابة مهما كان عِلم العالِم .
فكان الجواب بما أفاض به العلماء بالشكل التالي :
إن الإمام الحسين (ع) لم يخرج محارباً حتى يقال : لماذا اصطحب معه النساء والأطفال ، وإنما دعاه أهل الكوفة للبيعة ، وتعهّدوا له بالنصرة ، فخرج ليستقر في الكوفة خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين ، ولاسيما أن يزيد بن معاوية أمر ولاته بأخذ البيعة من الإمام الحسين (ع) أو قتله في المدينة أو مكة ، وهذا كله يقتضي اصطحاب النساء والأطفال .
إذن فإن الإمام الحسين (ع) خرج إلى كربلاء ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وأبناؤه وأصحابه شاركوه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلا أن أعداءه هم الذين قتلوه وقتلوا أبناءه .

فخروج أهل بيته وأصحابه مع الحسين (ع) لأنهم كانوا يعلمون أنهم ماضون للشهادة وخرجوا مع إمامهم الذي يؤمنون بعصمته ففازوا بشرف الدنيا والآخرة ونصروا سيد شباب أهل الجنة (ع) .
فأقول : لو أن الإمام الحسين (ع) لم يحمل النسوة والأطفال معه إلى كربلاء ، وابقاهم في المدينة .. فيكون الجواب على احتمالين واردين جداً :

الاحتمال الأول : إن معركة كربلاء سوف تُسفر حتماً عن استشهاد الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه ، كأي معارض للسلطة الأموية الحاكمة .. وستبدأ أقلام القوم بدبج كتابات هزيلة في الميزان الشرعي ، بأن المقتول كان معارضاً لنظام الحكم القائم ، ومن حق السلطة أو النظام القضاء عليه ، وتُطمس معالم المعركة وينتهي الخبر إلى أنه مات بمرض الزكام .

والاحتمال الثاني : إذا كانت أفعال بني أمية مع الحسين وأهل بيته وأصحابه أهونها هي قطع الرؤوس وبتر الأيدي والأرجل ، وليس هم عن التمثيل بالجثث ببعيد ، وقد فعلوها بشكل يأباها الحيوان ببنات جنسه .. فما ظنك بنساء وأطفال ذلك المُعارض النبوي العلوي ؟ .. بل سيزيدون على ذلك كهتك الأعراض وقتل العفاف بأيّ عنوان همجي ممكن .

وقد كان مِنْ صور الإرهاب في سياسة الاُمويِّين أنّه إذا هرب رجل مِنْ قبضتهم يلقون القبض على نسائه وعائلته حتّى يضطر فيسلّم نفسه إليهم كما فعلوا بزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي (رض) لمّا هرب من الكوفة عندما طلبه زياد ليقتله فكتب معاوية إليه : أنْ احمل إليّ زوجته .
فألقى زياد زوجته آمنة بنت رشيد (رحمها الله) وحملها أسيرة إلى معاوية فأمر بها إلى السجن فسجنت حتّى جيء برأس زوجها عمرو إلى الشام ووضعه في حجرها فاختل عقلها .
والحسين كان يعرفها منهم تماماً ويعلم يقيناً أنّه بمجرد أنْ يخرج من المدينة في اليوم التالي يلقي الأمويون القبض على عقائل الرسالة ويحملوهنّ سبايا إلى يزيد في الشام فكيف يستطيع الحسين (ع) حينئذ أنْ يؤدّي رسالته ويستمر في معارضته وثورته ؟
إذن فحمل الإمام الحسين (ع) للأسرة والأطفال هو نفيٌ للاحتمالين السابقين .. وإبرازٌ للدور الزينبي في إعلام الناس بمظلومية أهل البيت (ع) من جهة .. والخلاص من هتك الأعراض وقتل العفاف في المدينة من جهة أخرى .
وهناك إشاءة إلهية أخرى في حمل النساء والأطفال هي : الحفاظ على حياة الإمام زين العابدين (ع) ! إذ لا شك في أنّه لولا وجود العقيلة زينب (ع) لقُتل زين العابدين بعد قتل الحسين (ع) حتماً ؛ حيث تعرّض الإمام زين العابدين (ع) للقتل مرّتين .
والحِكمة بكلمة الحسين (ع) المعروفة : (شاء الله أنْ يراهنّ سبايا) .. هو جواب مقتضب ولمْ يشأ في تلك الساعة أنْ يُفصح عن الهدف ؛ لئلاّ يستفيد الخصم مِنْ كلامه فيكون ذلك حائلاً دون الوصول بالثورة إلى أهدافها .

قالها للذين سألوه : ما معنى حملك لهذه النسوة ؟ فإشاءة الله تعلّقت بإحياء دينه وحفظ قرآنه وإبقاء شريعته .
ولمّا لمْ تكن هناك وسائل طبيعية لهذه الغاية سوى استشهاد الحسين (ع) وصحبه وسبي زينب (ع) وأخواتها ؛ لذا فقد تعلّقت إرادته سبحانه عرضاً بقتل الحسين (ع) وسبي النساء تماماً كما قال الحسين (ع) : شاء الله أنْ يراني قتيلاً وشاء الله أنْ يراهن سبايا .

ولعل هنالك حقائق مغيبة تكمن في أن خروج السيدة زينب مع أخيها الحسين عليهما السلام لم يكن وليد اللحظة التي انطلقت بها القافلة بل إن الإعداد لتلك المصاحبة كان مخططاً له في وقت سابق .. ويتضح ذلك في اشتراط الإمام أمير المؤمنين (ع) على عبد اللّه بن جعفر عندما تقدم لخطبتها بالسماح لها بالخروج مع أخيها الحسين (ع) لنلمس من ذلك الموقف بل نتيقن بأن هنالك إعداد وتهيئة مسبقة للسيدة زينب (ع) لأداء مهام وأدوار مهمة في كربلاء .

فكان لسان السيدة زينب (ع) هو الذي أكمل الحجة على الناس ، أو هو العلّة التامة التي خلّدت معركة الطف الخالدة .
وعندما سألوا السيدة زينب (ع) : ما هو أصعب موقف على قلبك ؟ أجابت والتنهيدات تتلاحق على شفتيها : أنا تحمّلت مصاب أمي فاطمة ، ومصاب أبي شهيد المحراب ، ومصاب أخي الحسن والكبد المسموم ، ومصاب أخي العباس وقطع رأسه بعد كفوفه ، وصبرت أيما صبر وتحمّلت أيما تحمّل لفراق أخي الحسين مذبوحاً على الصعيد .. ولكن موقفاً واحداً لم اتحمّله ابداً وهو : عندما نظر اليّ يزيد وبدأ يشتم أبي علياً في مجلسه .
إذن فقضية بني مروان وبني سفيان وبني الدعيّ ابن الدعيّ .. هي مع علي (ع) الذي يمثّل شأن النبوة الخاتمة .. فأولئك لم يستطيعوا أن ينالوا من الرسول الاعظم (ص) في حياته ، فتتبعوا أبناءه من علي (ع) ليدفنوا الإسلام الأصيل بقتلهم الإمام الحسين (ع) .. وخاب ظنهم عندما ظهرت السيدة زينب (ع) في هلاك قضيتهم تلك .
كانت كلمات سبيّة الإمامة (ع) استمراراً لنهضة أخيها الشهيد (ع) ، وكان ثباتها وصمودها وصبرها السُّورَ الحصين الذي صان مُعطيات الثورة الحسينيّة المباركة ، والترجمانَ الصادق الذي نقل للأجيال تفاصيل تلك النهضة الظافرة .

روى الشيخ المجلسيّ عن السيّدة زينب (ع) ـ في حديث طويل ـ أنّها قالت : لمّا ضَرَب ابنُ مُلجَم (لعنه الله) أبي (ع) ، ورأيتُ أثرَ الموت منه ، قلت له : يا أبَه ، حَدَّثَتني أمُّ أيمن بكذا وكذا ، وقد أحببتُ أن أسمعه منك . فقال : يا بُنيّة ، الحديثُ كما حدّثتكِ أمُّ أيمن ، وكأنّي بكِ وببنات أهلكِ سبايا بهذا البلد أذلاّء خاشعين تخافون أن يَتخطّفكم الناس ، فصبراً صبراً ! فَوَ الذي فَلَق الحبّةَ وبرأ النسمةَ ، ما للهِ على ظهر الأرض يومئذٍ وليٌّ غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم ، ولقد قال لنا رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) حين أخبرَنا بهذا الخبر : إنّ إبليسَ في ذلك اليوم يطير فَرَحاً فيجول الأرضَ كلَّها في شياطينه وعَفاريته فيقول : يا معشرَ الشياطين ، قد أدركنا من ذريّةِ آدم الطَّلِبَة ، وبَلَغنا في هلاكهم الغايةَ ، وأورثناهُمُ النارَ إلاّ من اعتصمَ بهذه العصابة ، فاجعلوا شُغلكم بتشكيك الناس فيهم ، وحَملِهم على عداوتهم ، وإغرائهم بهم وأوليائهم ، حتّى تستحكمَ ضلالةُ الخلق وكُفرهم ، ولا ينجو منهم ناجٍ ، ولقد صَدّق عليهم إبليسُ وهو كذوب ، أنّه لا ينفع مع عداوتكم عملٌ صالح ، ولا يضرّ مع محبّتكم وموالاتكم ذنب من غير الكبائر .
زينب (ع) أنشودة الأحزان في كل ثغر .. وابتسامة المأساة عنوان على عمق الظلامة في سبي الامامة .
اللهم إجعلناء من شفعاء السيدة زينب (ع) .. بحق محمد وآل محمد .