الأربعاء - 24 يونيو 2026

•• الثورة الحسينية ودورها في تأسيس العراق وحماية انتماءه..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 24 يونيو 2026

°° عبد الجليل الزبيدي ||

 

 

 

إعادة قراءة التأريخ وربط الاحداث المقرونة بالوثائق والوقائع ، تبدو قضية الثورة الحسينية بابعادها القيمية واصالتها الفكرية والعقائدية ,انها كانت أداة رئيسية في الصراع السياسي والفكري والاخلاقي في الدفاع عن العراق والمطالبة باستقلاله وحماية اصالته العربية والاسلامية .

وعند دراسة الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر والى تأسيس الدولة العراقية 1932 ,يتضح ان مصير العراق كان على المحك امام مشروعات الضم والتفكيك التركية والبريطانية لولا تصدر الشيعة العراقيين لتلك المشروعات عبر رفعهم راية المقاومة الحسينية .

في عهد الاحتلال العثماني وفي حقبة السلطان عبد المجيد الاول (1839-1861 ) بدأت سياسات التتريك مع تبلور الفكرة القومية وتراجع العثمنة الدينية حيث استمرت هذه النزعة بالتصاعد خلال حقب السلاطين المتعاقبين :عبد العزيز ومراد الخامس وعبد الحميد الثاني والى عهد عبد المجيد الثاني .

كان الشيعة في العراق الحاجز المرتفع امام سياسة التتريك حيث واجهوا بقوة مشروع السلطان عبد الحميد الثاني بتجنيس العراقيين وبقية سكان الولايات الاخرى بالجنسية التركية بعد ان تأثر عبد الحميد الثاني بقانون المواطنة الفرنسي .

وتعتبر مجزرة كربلاء التي ارتكبها الجزار نجيب باشا في عام 1843 واحدة من ردود فعل الاحتلال العثماني على رفض الشيعة العراقيين الاندماج مع سياسة وثقافة الاحتلال كما فعلا الاخرون .

واجه الشيعة سياسة التتريك ومخطط المحتل العثماني لاقتطاع العراق وضمه الى تركيا وتجنيس سكانه بالتركية ,باساليب متعددة كان محورها هو المحافظة على الكيان العراقي وعروبته واسلاميته وخصوصيته الجيوسياسية.

وتعتبر الحوزات الدينية الشيعية في مدن النجف وكربلاء والكاظمية مراكز للتخطيط السياسي والعقائدي الاسلامي – الوطني لمواجهة سياسات المحتل الاستئصالية من خلال سلسلة خطوات عملية ممنهجة :

أولاً : توسيع اقامة مراسم الشعائر الحسينية واستغلال المناسبة للتاكيد على القيم العربية والاصالة الاسلامية وشرح الرسائل الثورية للنهضة الحسينية باعتبارها منهجا في العمل الثوري المقاوم.

ثانيا : تسريع تتويج طلاب الحوزات بالعمامة المحمدية العربية القريشية وزجهم في القرى والنواحي وايصالهم الى اقصى مدى لقراءة المراثي الحسينية لغرض تحشيد العشائر وسكان البوادي وادخالهم في مشروع المقاومة والممانعة امام سياسة التتريك

ثالثا : تشكيل فرق من اساتذة الحوزات والتجوال في المناطق الريفية والبوادي لاقناع الشباب من عائلات المشايخ للانضمام الى دروس الحوزة الدينية

رابعا : فتح مراكز لتعليم القران الكريم واللغة العربية في المدن والبلدات والاحياء وشمل ذلك مناطق ذات اغلبية من المذاهب السنية مثل باب الشيخ والاعظمية وديالى ومناطق في الفرات الاوسط , واستطاع المدرسون الشيعة تعليم العربية لآلاف الطلاب من الهند والآذر والافغان والفرس بعد ادخال كتب الفية ابن مالك وشرح ابن عقيل وخطب نهج البلاغة في مناهج التدريس .
خامسا : رفض غالبية الشيعة تدوين معلوماتهم في سجلات النفوس والاحوال والاحصاءات العثمانية وذلك في سياق رفض قانون التجنيس وبالتالي مقاومة سياسة التتريك .

هذه الاجراءات اتخذت في سياق مواجهة خطوات عملية قامت بها سلطة المحتل العثماني، من بينها :

1: منع التعليم باللغة العربية والزام الطلاب باللغة التركية محادثة وكتابة وقراءة .
2:فتح باب القبول واسعا امام الطلاب من ابناء عائلات محددة وفي مدن ومحلات معينة مع اختيار عينات من الطلاب الشيعة من ابناء زعماء القبائل على ان يرحلوا للدراسة في اسطنبول وليس في بغداد والبصرة وذلك لابعادهم عن تأثيرات محيطهم الديني .
3: اخضاع رؤساء القبائل والزعامات العشائرية بالولاء والطاعة لسياسات وفرمانات الباب العالي والتعهد بمقاطعة رجال الدين القادمين من الحوزات الدينية في المناسبات الدينية .

بلغت المواجهة ذروتها بين الحوزات الدينية الشيعية والسلطنة العثمانية اواخر القرن التاسع عشر حينما رفض اغلبية المراجع الشيعة مشروع جمال الدين اسد ابادي الافغاني الذي كان يجول في الامصار الاسلامية مروجا لمشروع الطاعة للسلطان التركي العصماني وحاكميته الدينية والدنيوية حيث رد المراجع الشيعة في اكثر من فتوى وبيان بان ( الإمرة في قريش ) ووجوب ابرام العقود والصكوك باللغة العربية ..وهو ما نسف المشروع الذي قام على اساس فقه السلاطين العثمانيين والذي يجيز الامرة لغير العرب وتدوين العقود باللغة التركية .

ومع ضعف وتراجع سلطة الاحتلال العثماني ومجيئ السلطان عبد المجيد الثاني كانت الغلبة للعراقيين الشيعة في هذه المعركة المصيرية حول اصالة الكيان العراقي .

•مشروع التهنيد والتفكيك البريطاني

مع مطلع القرن العشرين ,كانت شركة ( بيت لنج ) ومجموعة من الجواسيس البريطانيين يراقبون المشهد حيث اخذوا بالتوافد على العراق لمعرفة ودراسة الاحوال في بلاد ما بين النهرين .
غيترود بيل واجاثا كرستي ولورنس العرب وعدد من ضباط استخبارات وزارة المستعمرات كانوا يجوبون أرياف الجنوب العراقي ويستطلعون احوال مدينة بغداد حيث التقوا سراً عام 1909 بعدد من الشخصيات الدينية النافذة من بينهم عبد الرحمن النقيب وامجد الزهاوي واخرين من ال الدرويش والالوسي .

استطاع الجواسيس اقناع هذه الشخصيات بان العهد العثماني الى زوال وعليهم نقل ولائهم الى الانكليز القادمين الى بغداد.
وبالفعل توجت جهود الجواسيس بايجاد نخبة مؤثرة من رجال الدين والتجار والوجهاء من غير الشيعة في بغداد حيث نقلوا ولاءهم من الباب العالي الى لندن ,واصدروا في عام 1915 بيانا أعلنوا فيه تأييدهم للمحتل الانكليزي , وكان من بين الموقعين :
موسى ويوسف الباججي ,جميل زاده عبدالرحمن ويوسف السويدي وعبد الرحمن النقيب وعبد اللطيف ثنيان ورشيد الهاشمي واخرين .

في تلك الاثناء وفي ذروة صدور بيان التأييد كان الشيخ مهدي الحيدري والسيد محمد سعيد الحبوبي والسيد محسن الحكيم وباقر حيدر والسيد عبد الرزاق الحلو يقودون معارك ضروس ضد قوات الاحتلال البريطاني في منطقة الشعيبة والقرنة في البصرة وتل اللحم في جنوب مدينة الناصرية .

بموجب فتاوى وتوجيهات المراجع والعلماء في النجف والكاظمية وكربلاء ,توجه العشرات من طلبة الحوزات الى جبهات المقاومة حيث كانوا يقيمون مجالس العزاء الحسيني ويرفعون العمائم على الاعواد تذكيرا ببطولات المجاهدين من اصحاب الحسين عليه السلام وولده واخوته في موقعة الطف .

في معارك القرنة كان شعار وهتاف المجاهدين ( احنه غير حسين ما عدنه وسيله ) اما في بغداد (النقيب والكيلاني ) فيقول ناجي شوكت في مذكراته بان وجهاء ومشايخ بغداد كانوا يسهرون ليلا في منزل مراد سليمان حيث الموائد مالذ وطاب وتدار الكؤوس على انغام الجالغي البغدادي مع ضحكات عالية من نكات يرويها سامي سليمان …

من معارك الشعيبه وتل اللحم والقرنة فالحويزه والى كوت العمارة وثورة النجف 1918 , ايقن الانكليز أن العراقيين العرب الشيعة يشكلون عقبة قاسية وصلبة امام بسط نفوذهم على العراق .

في الاستفتاء الذي اجراه الحاكم العسكري البريطاني بيرسي كوكس ابلغ مراجع وعلماء النجف ادارة الاحتلال بان العراقيين يرفضون الوصاية البريطانية ويطالبون بحكومة عربية دستورية برئاسة امير عربي محمدي . اما في بغداد ( النقيب والكيلاني ) فقد اجتمع عدد كبير من الوجهاء والاعيان وطالبوا ب( امير تركي ) !!

ما بين اميرعربي وامير تركي ,كانت تلك الرسالة بداية مرحلة جديدة في الصراع بين الانكليز والشيعة حيث تبنى الانكليز مشروعا استئصاليا يهدف الى تفكيك العراق الى ثلاثة اقسام : هندي وانكليزي وفرنسي .

يؤكد الكولونيل ارنولد ولسن وكيل الحاكم البريطاني العام في كتابه ( الثورة العراقية ) انه اقترح على وزارة المستعمرات ان يتم اقتطاع البصرة وضمها الى حوض الخليج الهندي الذي يخضع لسلطة الحاكم البريطاني في الهند .

ومنح فرنسا السيادة على الموصل بما في ذلك منطقة الكورد على ان يبقى الجزء الاوسط تحت النفوذ البريطاني المباشر .
ينطلق مقترح ولسن من خلاصة توصلت اليها الاستخبارات البريطانية بان الشيعة قوم يعاندون ولا يتمتعون بالمرونة وهم الاكثرية التي تحول دون فرض نظام حكم معين في العراق .

في النهاية لم يؤخذ بمقترح ولسن بعد دراسة قدمتها مسز بيل رأت ان سياسة فرق تسد وتهميش الشيعة واعطاء النفوذ لغيرهم هو الطريقة المثلى لادارة الاوضاع في العراق .

بالمقابل تسامى مراجع الشيعة وواجهاتهم السياسية والاجتماعية على نهج التمييز الطائفي وتصدوا للحديث نيابة عن كل العراقيين فتحركوا عام 1919 عبر رسائل وموفدين للمطالبة بابقاء الموصل ضمن حدود العراق وهو ما اسفر فيما بعد عن تشكيل عصبة الامم المتحدة ( اللجنة الهولندية ) التي حسمت الجدل بعائدية الموصل للعراق .

ايضا دعا كبار الشيعة الى الوحدة العربية والعراق العربي تحت قيادة حاكم عربي محمدي .
مسز بيل وبتاييد من جماعات عراقية محلية … اخذت تستهزئ بتسمية ( حاكم عربي محمدي ) متوعدة بتلبية طلبهم ( أي الشيعة ) ولكن وفق مقاسات المحتل الانكليزي .

تواصل التحريض ضد الاحتلال من قبل الزعماء الشيعة ازاء مماطلات الانكليز فاندلعت الثورة العراقية الكبرى في عام 1920 وكان شعار (يالثارات الحسين ) يتصدر رايات المجاهدين في مدن الفرات الاوسط .
استمرت الثورة عدة اشهر الى ان رفعت راية الحسين وبجوارها علم الثورة العربية على المآذن والقباب ومبنى الحاكمية في مدينة كربلاء المقدسة .

وتعبيرا عن دور القيم الحسينية في ثورة العشرين وانتصارها القى الشاعر محمد حبيب العبيدي ابياتا بعد رفع رايات الحسين وعلم الثورة العربية في كربلاء فقال :

ايها الغرب جئت شيئا فريا
ما علمنا غير الوصي وصيا
قسما بالقران والانجيل
ليس نرضى وصاية لقبيل
قد اريقت دماء خير قتيل
افبعد الحسين سبط الرسول ؟

وقال شاعر اخر يوثق لنا بأن ثورة العشرين كانت ثورة حسينية فقال :

بشراك يا كربلاء قومي وانظري العلما
على ربوعك خفاقا ومبتسما
وكفكفي دمعك الهطال وابتسمي
فان بني قحطان قد حكما

فالشاعر ينقل حقيقة وواقع الثورة و طبيعة الشعارات والعناوين التي تصدرتها معتبرا ان ثأر الحسين قد تحقق بتولي بنو قحطان الحكم عبر رفع راية الحسين وراية الثورة العربية في المدينة المقدسة وتعيين السيد العلوي المحمدي عبد المحسن ابو طبيخ متصرفا لكربلاء بقرار من قادة الثورة .