الأربعاء - 24 يونيو 2026

أسرار حرارة الحسين التي لا تبرد.. من كربلاء الأمس إلى ميادين اليوم..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 24 يونيو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

 

 

 

يمثل الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعًا إلهيًّا ورساليًّا عظيمًا منذ ولادته، وكان استشهاده البدايةَ الحقيقية لحضوره الخالد في ضمير الإنسانية.

وما يُروَى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “إن لقتل ولدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد إلى يوم القيامة” يؤسس لشعلة إيمانية متقدة أودعها الله في وجدان الأُمَّــة لتبقى حية ما بقي الصراع مُستمرًّا بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وهو ما تؤكّـده النصوص النبوية كقوله “حسين مني وأنا من حسين”.

المنطلق الرسالي والإصلاح الإنساني الشامل

يكمن أول أسرار هذه الجذوة المتقدة في طبيعة الهدف السامي والمنطلق التحرّري للثورة حين أعلن الإمام الحسين وثيقتَه السياسية بوضوح قائلًا “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي”.

فالحسين لم يتحَرّك طالبًا لملك زائل أَو سلطة فارغة، وإنما تحَرّك دفاعًا عن القيم الإلهية وصون الكرامة الإنسانية المستلبة؛ ولذلك بقيت ثورتُه حيةً ونابضة في ضمير كُـلّ حر يرفض الضيم والاستكبار، وتحولت كلماته إلى دستور دائم لكل التحَرّكات التصحيحية والنهضوية في تاريخ الأُمَّــة.

كربلاء كبنية مقاومة وولادة دائمة لروح الثورة

يتجلى السر الثاني في أن كربلاء كانت في الحقيقة ولادة دائمة ومُستمرّة لروح المقاومة والرفض الحاسم في مواجهة الطغيان والاستبداد.

فمنذ ذلك اليوم المشهود أصبحت أرض الطف مدرسة فكرية وجهادية مفتوحة لكل الثائرين في العالم يستلهمون منها معاني الصمود والثبات والتضحية؛ حَيثُ منح الحسين الأُمَّــة بهذا التحَرّك ثقة وجودية لا تنكسر بعد أن وقف العدد القليل والمحاصر في مواجهة جيش جرار يمتلك المال والنفوذ، لتثبت القرون أن الدم الزاكي قد انتصر حتمًا على السيف الباغي وأن صوت المظلوم بقي حيًّا يزلزل العروش بينما اندثر ذكر الظالمين.

الامتداد المعاصر ومعادلات الردع في ميادين المواجهة

تتطابق هذه الحقائق الاستراتيجية اليوم مع الواقع المعاش؛ فما نشهده في فلسطين الصامدة ولبنان المقاوم من ثبات أُسطوري أمام آلة القتل والإبادة الصهيونية، وما تسطره شعوب ومحاور المقاومة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار الأمريكي والبريطاني، يؤكّـد بوضوح أن روح كربلاء ما زالت حاضرة وبقوة في الميدان.

شعار الحسين الخالد “هيهاتَ منا الذلةُ” صار موقفًا عمليًّا ومعادلات ردع تتجسد معانيها في ساحات التضحية لانتزاع السيادة الكاملة والقرار المستقل للأُمَّـة.

كما أن حرارة الحسين لا تبرد؛ بسَببِ البشاعة الفائقة والمظلومية الكبرى للجريمة التي ارتكبت بحقه وبحق أهل بيته.

فذلك الاستهداف كان محاولة خبيثة لاغتيال الحق والوعي والرسالة نفسها، ولذلك بقيت ذكراها جرحًا مفتوحًا في وجدان المؤمنين ودافعًا مُستمرّا لمقارعة الطغاة والانتصار للمستضعفين، ليثبت التاريخ أن الإمام الحسين أصبح رمزًا عالميًّا عابرًا للقارات لعنوان الحرية والعدالة السياسية والاجتماعية.

الرمزية العالمية والثبات الوجودي للأحرار

إن استمرار أسباب الثورة هو الضامن لبقاء حرارة الحسين متقدة في النفوس؛ فما دام في هذا العالم ظالم ومستكِبر ومستضعَفون يطالبون بحقوقهم المشروعة وثرواتهم المنهوبة، فإن كربلاء ستظل حاضرة كبنية استراتيجية وسيبقى الحسين نبراسًا للأُمَّـة ومنارًا للأحرار.

وفي زمن تتكالب فيه قوى الطغيان العالمي على مقدرات وشعوب أمتنا الإسلامية، تبقى رسالة الحسين أكثر حضورًا وجدوى: أن الحق لا يُقاس بكثرة أتباعه، وأن الموقفَ الصادق والشجاع كفيل بأن يصنع أُمَّـة بأكملها، وأن التضحية في سبيل الله هي الطريق الوحيد المؤدي إلى النصر الحقيقي والتمكين.

فسلام الله على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين الأبرار، وهيهات منا الذلة ولبيك يا حسين..