من الحصار إلى السيادة: القراءة الاستراتيجية لـ “وثيقة إسلام آباد” وموقع القوة الإيراني..!
نبيل الجمل ||

تتجه أنظار العواصم الكبرى وصنّاع القرار عبر العالم إلى منتجع “بورغنشتوك” الجبلي في سويسرا، حيث يجرى الترتيب للمراسم الوجاهية الرسمية لتوقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية التاريخية، والمعروفة بـ “وثيقة إسلام آباد”، برعاية مبعوثين ووسطاء من باكستان وقطر.
هذا الحدث الدبلوماسي، الذي يأتي بعد توقيع إلكتروني تمهيدي بين الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، يمثل تحولاً جيوسياسياً زلزل موازين القوى الدولية. فالقراءة التحليلية العميقة لبنود هذه المذكرة والظروف المحيطة بها تكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، أن طهران تدخل هذه الاتفاقية من موقع قوة واقتدار استراتيجي فرضته حقائق الميدان وصمود محورها الإقليمي، محولةً الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية إلى نصر سياسي صريح أُجبرت واشنطن على الإقرار به وتدوينه.
إن التدقيق في البنود المسربة للمذكرة يعكس نجاحاً دبلوماسياً وعسكرياً إيرانياً غير مسبوق؛ إذ انتزعت طهران رفعاً فورياً للحصار البحري الأمريكي عن موانئها كخطوة أولى لبناء الثقة وقبل التوقيع الوجاهي، وهو ما تجسد فعلياً في تدفق ناقلات النفط الإيرانية العملاقة إلى الأسواق العالمية مجدداً. علاوة على ذلك، فرضت طهران معادلة الندّية الكاملة بحفاظها على سيادتها المطلقة وإدارتها لمضيق هرمز الحيوي،
مع إقرار رزمة مالية استثنائية وإفراج غير مشروط عن الأصول المجمدة والملفات الاقتصادية العالقة. والأهم من ذلك كله في الحسابات الاستراتيجية، هو خلو الاتفاق من أي قيود على برامج إيران الصاروخية أو قدراتها الدفاعية المسيرة، وهو ما دفع أوساط البرلمان الإيراني والمحللين الدوليين إلى اعتبار الوثيقة “ترجمة سياسية لواقع فرضه توازن الردع في الميدان”، وصياغة ذكية حدت من قدرة واشنطن على ممارسة أي ضغوط إضافية خلال الـ 60 يوماً المخصصة للمفاوضات التقنية اللاحقة.
وعلى الرغم من النبرة التهديدية الحذرة التي حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويقها في خطابه الأخير من مدينة “إيفيان” الفرنسية على هامش قمة السبع، ملوحاً بالخلفيات العسكرية، وسعيه لإحالة الاتفاق إلى الكونغرس لتخفيف الضغط الداخلي من صقور حزبه، إلا أن هذا الخطاب لا يعدو كونه محاولة لامتصاص صدمة التراجع الاستراتيجي الأمريكي.
فالحقيقة التي يدركها الحلفاء والخصوم على حد سواء، بما في ذلك القلق الصيني الحذر والتخبط الإسرائيلي المستمر في جنوب لبنان، هي أن الولايات المتحدة اضطرت للجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد فشل ترسانتها العسكرية وحصارها البحري في كسر إرادة طهران أو تفكيك جبهات محور المقاومة الممتدة من غزة وفلسطين إلى لبنان واليمن والعراق. إن وثيقة سويسرا المرتقبة لا تمثل مجرد وقف مؤقت للتصعيد، بل هي إعلان صريح عن فشل سياسة الهيمنة الأحادية، واعتراف دولي صاغته إيران بثباتها كقوة إقليمية عظمى لا يمكن تجاوزها، لتبدأ المنطقة عصراً جديداً تُكتب معادلاته بندّية واقتدار.




