مع عامٍ هجريٍّ جديد… كربلاء مشروعُ إصلاحٍ لا ينتهي..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

ها هو عام هجري جديد يطرق أبواب الأمة الإسلامية، فيما يرحل عام مضى بما حمله من أحداث وآمال وآلام. تتغير السنوات وتتعاقب الأيام، لكن بعض المواقف تبقى خالدة في ضمير الإنسانية لأنها لم تكن أحداثًا عابرة، بل صنعت مسارًا جديدًا للتاريخ ورسمت للأجيال طريق الحق والكرامة.
ومع إطلالة شهر الله المحرم، تستقبل الأمة موسمًا من الحزن والوعي والوفاء، وتستذكر أعظم ثورة إصلاحية عرفها التاريخ الإسلامي، ثورة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، التي لم تكن طلبًا لسلطة أو سعيًا لمكسب دنيوي، بل نهضة رسالية هدفها إعادة الإسلام إلى نهجه الأصيل بعدما تعرض للتحريف والانحراف على يد سلطة فاسدة حولت الخلافة إلى ملك عضوض، وصادرت إرادة الأمة وأبعدتها عن قيم العدالة والحق.
وقد لخّص الإمام الحسين (عليه السلام) أهداف نهضته الخالدة بقوله: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.»
ومن هنا كانت عاشوراء ثورة إصلاح وتصحيح قبل أن تكون معركة عسكرية، وكانت مدرسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدرسة للكرامة الإنسانية ورفض الظلم والانحراف مهما بلغت التضحيات.
ولم تبقَ مبادئ كربلاء حبيسة صفحات التاريخ، بل تحولت إلى منهج حياة للأحرار في مختلف العصور. فمن خلال التمسك بقيم الحسين (عليه السلام) في العزة والكرامة ورفض الخضوع للباطل، استطاعت الشعوب المؤمنة أن تواجه مشاريع الاستكبار العالمي والهيمنة الأجنبية ومحاولات فرض الإرادات بالقوة، وأن تنتصر لقيم الإسلام الأصيل في مواجهة الظلم والعدوان والاحتلال والوحشية. ولذلك بقي نداء الحسين الخالد: «هيهات منا الذلة» شعارًا لكل الأحرار الساعين إلى الحق والعدل والكرامة.
وإذا انتقلنا إلى واقع بلدنا العراق، فإن استذكار عاشوراء لا ينبغي أن يكون مجرد استحضار لمأساة تاريخية، بل مناسبة لمراجعة الواقع وتصحيح المسار. فالعراق، رغم ما يمتلكه من ثروات وإمكانات عظيمة، ما زال يواجه تحديات كبيرة تتمثل في الفساد الإداري والمالي، وضعف الخدمات، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتراجع الشعور بالمسؤولية الوطنية لدى كثير من المتصدين للشأن العام.
إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج ليعلم الناس البكاء على المظلوم فحسب، بل ليعلمهم كيف يقفون مع الحق وكيف يواجهون الظلم والانحراف والفساد. ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي للحسين يكون بالسير على نهجه في الإصلاح، ومحاسبة النفس، ومكافحة الفساد، والدفاع عن حقوق الناس، والعمل من أجل بناء دولة عادلة تحفظ كرامة المواطن وتصون ثروات الوطن وتحمي سيادته واستقلال قراره.
إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى استلهام مبادئ كربلاء في بناء مجتمع يقوم على العدالة والنزاهة والكفاءة، وإلى قيادات تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والحزبية، وإلى شعب واعٍ يدرك أن الإصلاح مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق فرد أو جهة دون أخرى.
ومع بداية هذا العام الهجري الجديد، نجدد العهد مع مدرسة عاشوراء الخالدة، مدرسة التضحية والإصلاح والوعي والكرامة، ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام عام خير وبركة وأمن واستقرار على العراق وشعبه وأمتنا الإسلامية، وان ينصر الاسلام الاصيل والمرابطين من المؤمنين الغيارى ، وأن يوفق الجميع للسير على نهج الحق والعدل الذي استشهد من أجله الإمام الحسين (عليه السلام).
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.




