الخميس - 18 يونيو 2026

من بيروت إلى جنوب لبنان إسرائيل تتراجع وإيران تفرض معادلاتها..!

منذ 5 ساعات
الخميس - 18 يونيو 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

 

حين يخرج مقر خاتم الأنبياء الإيراني ليعلن أن استمرار العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان سيُقابل برد عسكري مباشر، فإننا لا نتحدث عن بيان إعلامي للاستهلاك السياسي، بل عن إعلان صريح لتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة. فإسرائيل التي كانت تضع الخطوط الحمراء للآخرين، أصبحت اليوم تتلقى التحذيرات وتُجبر على حساب خطواتها قبل الإقدام عليها.

في السابق كانت بيروت وحدها تمثل الخط الأحمر، واليوم أصبح جنوب لبنان بأكمله خطاً أحمر. وهذه ليست مجرد عبارة سياسية، بل اعتراف عملي بأن قدرة إسرائيل على فرض إرادتها بالقوة بدأت تتآكل، وأن معادلات الردع التي صنعتها المقاومة بدعم إيراني خلال عقود من الصراع فرضت نفسها على أرض الواقع رغم كل التهديدات والحروب.

الأكثر إحراجاً لإسرائيل أن الموقف الأمريكي نفسه لم يعد قادراً على تغطية كل مغامرات نتنياهو. فالتسريبات المتداولة حول التفاهمات الأخيرة تشير إلى وجود بنود واضحة تتعلق بلبنان ووقف التصعيد، ما يعني أن أي عدوان إسرائيلي جديد لا يشكل تحدياً لإيران أو للمقاومة فحسب، بل يضع واشنطن نفسها في موقف حرج أمام العالم وأمام التزاماتها السياسية.

لقد تحولت حكومة نتنياهو إلى عبء ثقيل حتى على أقرب حلفائها. فكلما اقتربت المنطقة من التهدئة، اندفع نتنياهو نحو جبهة جديدة أو أزمة جديدة أو عملية عسكرية جديدة. وكأن بقاء حكومته مرهون باستمرار الحرب، وكأن السلام بالنسبة له يمثل تهديداً أكبر من أي صاروخ.

والمفارقة الساخرة أن الكيان الذي يقدّم نفسه على أنه القوة العسكرية الأكبر في الشرق الأوسط لا يستطيع الاستمرار يوماً واحداً دون الجسر الجوي الأمريكي والدعم المالي والسياسي القادم من واشنطن. بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه قال بوضوح في أكثر من مناسبة إن إسرائيل ما كانت لتبقى بالشكل الذي هي عليه لولا الدعم الأمريكي. هذا الكلام لم يقله خصوم إسرائيل، بل قاله الرجل الذي قدّم لها ما لم يقدمه أي رئيس أمريكي آخر.

في المقابل، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعرضت لعقود من الحصار والعقوبات والضغوط والتهديدات العسكرية والاغتيالات والحروب الاقتصادية، لكنها لم تنهَر ولم تستسلم. بل بنت قاعدة علمية وصناعية وعسكرية متطورة، وطورت قدراتها الصاروخية والتكنولوجية، وأصبحت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص الشرق الأوسط.

وهنا يكمن الرعب الحقيقي الذي يطارد قادة تل أبيب. فالمشكلة ليست البرنامج النووي كما يدّعون، وليست الصواريخ الباليستية، وليست جنوب لبنان أو غزة أو اليمن. هذه مجرد عناوين إعلامية للاستهلاك السياسي. أما الحقيقة فهي أن إسرائيل ترى أمامها دولة كبيرة تمتلك عشرات الملايين من السكان، وثروات طبيعية هائلة، وموقعاً استراتيجياً فريداً، وعقولاً علمية متقدمة، استطاعت رغم الحصار أن تحقق إنجازات كبرى في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والدفاع.

ولهذا السبب تحارب إسرائيل أي اتفاق يرفع العقوبات عن إيران، وتعارض أي انفتاح اقتصادي عليها، وتشن حملات التحريض ضدها في كل المحافل الدولية. لأن قادة الكيان يدركون جيداً أن إيران الطبيعية، إيران بلا حصار وبلا قيود، ستتحول خلال سنوات قليلة إلى قوة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية كبرى يصعب احتواؤها أو منع صعودها.

لقد راهن نتنياهو على إسقاط إيران، وفشل. وراهن على خنقها بالعقوبات، وفشل. وراهن على تفجير جبهاتها الداخلية، وفشل. وراهن على عزلها إقليمياً، فوجد نفسه أمام محور يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. واليوم يكتشف أن كل الحروب التي خاضها لم تؤدِّ إلا إلى تعزيز مكانة إيران وترسيخ حضورها الإقليمي.
ومن بيروت إلى جنوب لبنان تتغير المعادلات. وما كان يُفرض بالنار والحديد قبل سنوات لم يعد ممكناً فرضه اليوم.

وإسرائيل التي أمضت عقوداً في صناعة “فزاعة إيران” تجد نفسها الآن أمام إيران حقيقية وقوية ومؤثرة، ساهمت أخطاء نتنياهو وحلفائه قبل أي طرف آخر في كشف حجم قوتها وتعزيز مكانتها.

إن معركة اليوم ليست على قرية حدودية أو على بند في مذكرة تفاهم، بل على مستقبل الشرق الأوسط كله. وإسرائيل تدرك أن أي تفاهم يفتح الطريق أمام صعود إيران اقتصادياً وسياسياً سيعني نهاية مرحلة طويلة احتكرت فيها النفوذ والتفوق بدعم أمريكي مطلق. ولهذا تقاتل بكل ما تملك لإفشال أي اتفاق، ولإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.

لكن الوقائع على الأرض تقول إن الزمن لم يعد يعمل لصالحها، وإن خطوطها الحمراء تتراجع الواحدة تلو الأخرى، بينما تواصل إيران تثبيت معادلات جديدة تفرض نفسها على المنطقة، شاءت تل أبيب أم أبت.

ضياء أبو معارج الدراجي