الأربعاء - 17 يونيو 2026

ترامب وإهانة المقدسات الإسلامية.. عدوان متعمد يكشف حقيقة الاستعلاء الأمريكي..!

منذ 3 ساعات
الأربعاء - 17 يونيو 2026

أحلام الصوفي ||

 

 

 

لم يعد ممكناً توصيف الإساءة التي صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحق الكعبة المشرفة والمقدسات الإسلامية بأنها مجرد تصريح عابر خرج عن سياقه، فطبيعة الخطاب الذي تبناه طوال سنوات حضوره السياسي تؤكد أن الأمر يندرج ضمن نهج متعمد قائم على الاستفزاز والاستخفاف بمشاعر الشعوب والأمم، وفي مقدمتها الأمة الإسلامية.

إن الكعبة المشرفة ليست رمزاً دينياً عادياً يمكن تجاوزه أو التقليل من شأنه، بل هي أقدس مقدسات المسلمين وقبلتهم التي يتوجهون إليها في صلواتهم في مشارق الأرض ومغاربها. ومن هنا فإن أي إساءة إليها لا تُفهم إلا باعتبارها اعتداءً مباشراً على عقيدة أكثر من ملياري مسلم، ومحاولة للمساس بما هو مقدس وثابت في وجدان الأمة.

لقد اعتاد ترامب استخدام لغة الغطرسة والابتزاز في تعامله مع دول المنطقة وقضاياها، مستنداً إلى شعور بالقوة والنفوذ السياسي والعسكري. غير أن الوصول إلى حد التطاول على المقدسات يكشف وجهاً أكثر خطورة يتمثل في العقلية الاستعلائية التي تنظر إلى شعوب العالم وثقافاته ومعتقداته من زاوية الهيمنة لا الاحترام، ومن منطلق الإملاء لا الحوار.

وإذا كانت الشعوب الحرة تختلف في السياسة والمصالح، فإن المقدسات الدينية يجب أن تبقى بمنأى عن الإساءة والتجريح. لكن ما صدر عن ترامب يعكس تجاهلاً متعمداً لهذه الحقيقة، ويؤكد أن بعض الساسة في الغرب ما زالوا يتعاملون مع العالم الإسلامي بعقلية القوة التي لا تقيم وزناً لمشاعر الملايين ولا لحرمة الرموز الدينية.

وما يزيد من خطورة هذه الإساءات أنها تأتي في ظل حالة من الصمت والتخاذل لدى بعض الأنظمة العربية والإسلامية التي جعلت من رضا واشنطن بوابة لمصالحها وحساباتها السياسية. فبدلاً من أن ترتفع الأصوات دفاعاً عن المقدسات التي تجمع الأمة، نجد مواقف باهتة لا ترتقي إلى مستوى الحدث، وكأن الإساءة إلى أقدس مقدسات المسلمين أمر يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه.

لقد أفرزت عقود من التبعية السياسية واقعاً جعل بعض الحكومات أكثر حرصاً على الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة من حرصها على التعبير عن غضب شعوبها والدفاع عن مقدساتها. حتى بدا وكأن الكرامة الدينية للأمة أصبحت في آخر سلم الأولويات لدى من رهنوا قراراتهم للخارج، وفقدوا القدرة على اتخاذ مواقف مستقلة تعبر عن هوية شعوبهم وانتمائها الإسلامي.

إن أخطر ما في هذه الإساءات أنها لا تستهدف حجارة أو معالماً تاريخية، بل تستهدف الهوية الإيمانية للأمة الإسلامية، وتسعى إلى تكريس صورة من التعالي الثقافي والسياسي الذي أثبت فشله مراراً أمام صمود الشعوب وتمسكها بمقدساتها وقيمها. كما أنها تكشف حجم الهوة بين الشعوب الإسلامية التي ما زالت ترى في مقدساتها خطاً أحمر لا يقبل المساومة، وبين بعض الأنظمة التي أصبحت أسيرة حسابات المصالح والتحالفات.

ورغم فداحة الإساءة، فإن الكعبة المشرفة ستبقى شامخة في مكانتها وقداستها، عصية على محاولات الانتقاص والتشويه. فالمقدسات العظيمة لا تهتز أمام كلمات أو مواقف مهما كان مصدرها، بل تزداد حضوراً في قلوب المؤمنين كلما حاول الآخرون النيل منها.

إن احترام الأديان والمقدسات ليس قضية تخص المسلمين وحدهم، بل هو مبدأ إنساني وأخلاقي ينبغي أن يلتزم به الجميع. وأي اعتداء متعمد على هذه المقدسات يمثل سقوطاً أخلاقياً قبل أن يكون خطأً سياسياً، ويكشف حقيقة من يقف وراءه مهما حاول تجميل صورته بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

واليوم تبدو الحاجة ملحة إلى موقف إسلامي أكثر استقلالاً وجرأة، يستمد قوته من إرادة الشعوب ومن مكانة المقدسات في وجدان الأمة، لا من حسابات التبعية والارتهان. فالكعبة المشرفة ليست ملكاً لجيل أو دولة أو نظام، بل هي رمز لوحدة المسلمين جميعاً، والدفاع عنها وعن قدسيتها واجب أخلاقي وديني وإنساني لا يسقط بالتقادم ولا يخضع للمساومات السياسية.

ستظل الكعبة المشرفة رمزاً للوحدة والإيمان والكرامة الإسلامية، بينما ستبقى الإساءات المتعمدة شاهداً على إفلاس أصحابها وعجزهم عن كسر إرادة أمة ما زالت ترى في مقدساتها عنوان عزتها وهويتها ووجودها الحضاري.