الدعمُ الغربيُ لإسرائيل والمسألةُ اليهودية..!
د. محمد هاشم البطاط ||

لطالما شكّلت العلاقة الاستراتيجية الناظمة بين الدول الغربية، وأعني بشكلٍ مكثّف الدولَ الأوربية، والكيان الصهيوني “إسرائيل” تعبيراً مثيراً للانتباه عبر عقود طويلة، وتفاقمت التساؤلات وتكثّرت في مرحلة ما بعد طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، حتى تحوّل الصمت الغربي المطبق إتجاه الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها الكيان بحق الشعب الفلسطيني واللبناني وغيرهما الى حالة نمطية سائدة سوى بعض الاستثناءات هنا وهناك،
وهي في جملتها تتبدى على استحياءٍ وخجل، هذا من جانب، ومن جانب آخر يُلاحظ الدعم المطلق في تقوية الموقف الاسرائيلي في مختلف المستويات السياسية والامنية والاقتصادية والثقافية، وفي ظل هذه العلاقة الاستراتيجية التي جعلت الغربيين يرزحون تحت وطأة فضيحة إزدواجية المعايير الحقوقية والانسانية التي يدعّون أنهم جعلوها شرعةً لهم في كل تفاصيل الحياة وتضاعيفها، ثمة محاولات لبيان الأسباب الكامنة وراء الدعم الغربي لإسرائيل:
منها وجود اللوبيات الصهيونية في كبريات العواصم الغربية، والتي تعمل عبر ميكانزمات اقتصادية وسياسية وغيرها من أجل التأثير والضغط على صناع القرار الغربيين، ومنها هيمنة التيار الصهيوني من اليهود على وسائل الاعلام وكبريات الشركات في الدول الغربية المتقدمة بما يخدم السردية الصهيونية ويعززها في مختلف الصعد والمستويات،
وكذلك وجود تخادم متبادل قديم-جديد بين الدول التوسعية الغربية والكيان الصهيوني في توزيع الأدوار والتكامل المصلحي ضمن ترسيمات الشرق الاوسط لتكون اسرائيل كأحد أبرز الحلفاء الاستراتيجيين للغرب السياسي في المنطقة، ولا ننسى في هذا السياق إعلان ثيودور هرتزل (1860-1904م) حينها أن من مصلحة الدول الاوربية، وعلى رأسها بريطانيا، أن تكون دولة اليهود المنشودة حليفاً مهماً في منطقة النفوذ الشرقية.
بيد أن هذه الاسباب على ما تنطوي عليه من صحة، ومرجّحات وازنة في بيان الدعم الغربي لإسرائيل تبقى منقوصة في عملية الكشف الحقيقي للدعم الغربي الاوربي اللامحدود لها، وربما يصح القول أن إشكالية المسألة اليهودية The Jewish Question يعبر عن أحد الاسباب المركزية في هذا الدعم، فلقد كانت الجماعات اليهودية في الدول الغربية أحد أهم العقبات أمام بناء الدولة القومية الجديدة،
إذ أنها كانت جماعات عصية عن الاندماج، وغير قابلة لأن تنصهر في بوتقة المجتمع السياسي الحديث، والمندفع بمنطلقات حداثية واعدة، هذا الامر ألقى بظلاله على الغرب السياسي، أوربياً، من أجل إلزامية البحث عن حل جذري للمشكلة اليهودية، الامر الذي قاد الى مجموعة من الحلول التي لم تأت أكلها عندهم، كحل برونو باور(1809-1882م) في كتابه (المسألة اليهودية)، ودعوته لليهود في ضرورة التخلي عن مسببات عدم التحرر السياسي داخل الدولة القومية الالمانية، وفي نفس السياق جاء كتاب كارل ماركس (1818-1883م) (حول المسألة اليهودية) الذي هو في أساسه رد على باور ومسألة التحرر السياسي وعلاقته باليهود.
ومنذ كتاب برونو باور، بل وقبله العديد من الحلول للمسألة اليهودية، صارت محاولات الحلول للجماعات اليهودية داخل المجتمعات الغربية تترى دونما الوصول الى نتيجة، لدرجة أن بعض الباحثين يرون أن السياسة النازية جاءت بالهولوكوست كحلٍ جذري ونهائي لهذا المسألة عبر الوصول الى قناعة الى أن إبادة اليهود يمكن أن يخلص المجتمع الالماني من هذه اليهود.
وفي خضم الحلول العاجزة عن الوصول الى تسويات واقعية للمسألة اليهودية كان الحل الأنجع عند الاوربيين هو إخراج هذه الجماعات من داخل المجتمعات الغربية، وقد توافق هذا الحل مع الرؤية الصهيونية التي تريد أن تُقيم وطن قومي خاص باليهود، ومن هنا طُرحت وقتها العديد من الخيارات كأجزاء من روسيا أو الصين أو الارجنتين أو كينيا أو غيرها، إلا أن تشجيع اليهود للهجرة لم يكن بالأمر اليسير،
ولاسيما وأن هرتزل نفسه لم يكن يهودياً متديناً، عندئذ تم الوصول الى توظيف أيديولوجية الارض الموعودة في السردية اليهودية، اي الاراضي الفلسطينية كحل جذري يمكن أن يدفع اليهود للهجرة، (وهم شعب الله المختار!) الى فلسطين، فتم العمل على تأسيس الكيان الصهيوني عبر احتلال الاراضي الفلسطينية، وتحويلها تدريجياً الى دولة اسرائيل.
لقد توصل العقل الاستراتيجي الغربي إلى أن الخلاص من الجماعات اليهودية العصية عن الاندماج يمثل حلاً سحرياً لجماعات ليست سهلة، فهي دويلات داخل الدولة، وهذا ما لا تقبل به الدولة القومية الغربية، والمثير في الامر أن هذه الخشية ما زالت قائمة حتى هذه اللحظة في الغرب،
إذ أن الكثير من المواطنين الاسرائيليين لديهم جنسيات ثانية، وجوازات سفر أخرى، ولذلك في كل مواجهة مسلحة مع المقاومة في فلسطين أو لبنان، أو حتى في الحروب الاخيرة ضد ايران، يهمُّ اليهود بالسفر الى دولهم الثانية (وهي دول غربية أوربية)، الا ان أجهزة الامن الاسرائيلية تمنعهم من ذلك، وهذا الامر يرعب الدول الغربية بشدة، إذ لا يمكنهم القبول بفكرة أن تعود الجماعات اليهودية الى مجتمعاتها السابقة بعد أن تخلصت منهم،
وربما يسري الأمر على الولايات المتحدة الامريكية التي تخشى أن تتحول الى ملاذ للجماعات اليهودية في حال إستمرت الدول الاوربية بغلق أبوابها بوجه العائدين إليها، لذلك يرون أن لا يوجد مخرج أمام الدول الغربية سوى الاستمرار بدعم مطلق وغير محدود للكيان الصهيوني، والعمل على تذليل كل العقبات أم توسعة هذا الكيان داخل منطقة الشرق الاوسط من أجل ضمان بقاء الجماعات اليهودية خارج أسوار الدول الغربية، وهذه قضية أًسية يجب أن تؤخذ في نظر الاعتبار فيما يتعلق بعملية فهم الدعم الغربي لإسرائيل.




